في قفزة نوعية لإنقاذ أراضي الكوكب وتحويل التعهدات السياسية إلى واقع ملموس، تُسابق المملكة العربية السعودية الزمن بالتعاون مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) لتسريع تنفيذ المخرجات التاريخية لمؤتمر الأطراف (COP16) الذي عُقد بالرياض، وذلك تمهيداً لانطلاق الدورة السابعة عشرة للمؤتمر (COP17) في منغوليا في أغسطس 2026.
هذا التحرك المشترك يأتي مدفوعاً بإدراك دولي متزايد بأن تدهور الأراضي والجفاف لم يعودا مجرد أزمتين بيئيتين هامشيتين، بل هما خطران اقتصاديان وأمنيان يهددان ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويكبدان الاقتصاد العالمي خسائر سنوية تتجاوز 878 مليار دولار.
وشهدت العاصمة الرياض مباحثات استراتيجية رفيعة المستوى قادتها الدكتورة ياسمين فؤاد، المديرة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، مع المهندس عبدالرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة، و عادل الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية؛ حيث ركزت اللقاءات على صياغة مفهوم جديد للمواجهة يرتكز على “الوقاية الاستباقية” بدلاً من الاستجابة المتأخرة للأزمات، وربط تدهور الأراضي بشكل مباشر بالاستقرار والأمن الدوليين، وهي القضية التي فرضت نفسها بقوة حتى على أجندة وزراء بيئة مجموعة السبع مؤخراً.
ومن خلال اطلاق مبادرة “شراكة الرياض العالمية لتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف”، التي تُعد المبادرة الأبرز لتحويل الصمود البيئي إلى أولوية استثمارية طويلة الأجل؛ حيث تضع الأمم المتحدة حالياً اللمسات الأخيرة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لإنشاء صندوق ائتماني متعدد الشركاء قبيل مؤتمر منغوليا. وقد بدأت الأموال تتدفق بالفعل لدعم هذه الشراكة بإعلان البنك الإسلامي للتنمية وصندوق أوبك للتنمية الدولية عن تخصيص مليار دولار لكل منهما، إلى جانب التزام أوسع من مجموعة التنسيق العربية يصل إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2030.
ولم يقتصر الحراك على الجانب التمويلي الدولي، بل امتد لتعزيز العمل الإقليمي عبر توقيع مذكرة تفاهم تاريخية بين اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر و”مبادرة الشرق الأوسط الأخضر” بهدف توحيد الجهود لمكافحة الجفاف واستعادة الأراضي في المنطقة. وفي الوقت ذاته، تسعى المناقشات الحالية إلى سد الفجوة التمويلية الهائلة البالغة 278 مليار دولار سنوياً عبر استقطاب القطاع الخاص من خلال منصة “الأعمال من أجل الأراضي”، نظراً لأن مساهمة الشركات لا تتجاوز حالياً 6% رغم تأثر قطاعاتها الحيوية مثل الزراعة وسلاسل الإمداد بشكل مباشر من الجفاف والتضخم الناجم عن ندرة المياه.
وتؤكد المملكة، على لسان نائب وزير البيئة أسامة إبراهيم فقيها، أن استضافتها لـ COP16 لم تكن مجرد حدث عابر، بل نقطة تحول تاريخية قادت العالم نحو التزام طويل الأمد لحماية كوكب الأرض. ومع التوجه نحو مؤتمر أولان باتور في منغوليا، يراهن المجتمع الدولي على الهيكل التمويلي والمؤسسي الجديد الذي أسسته الرياض، مستنداً إلى حقيقة اقتصادية رابحة تؤكد أن كل دولار يُستثمر في الإدارة المستدامة للأراضي يحقق عائداً اقتصادياً يتراوح بين 7 و30 دولاراً، مما يجعل الاستثمار في الطبيعة الذراع الأقوى لتحقيق الازدهار والأمن المائي والغذائي العالمي.









