منذ أن عملت فى مهنة الصحافة بجريدة «الجمهورية»، تشرفت بالعمل وسط كوكبة من كبار الكتاب والقامات الصحفية التى تعلمنا منها أصول المهنة وأخلاقياتها، لكن الكاتب الكبير الأستاذ صالح إبراهيم ظل حالة استثنائية، وواحداً من أبرز هؤلاء الذين لم يكتفوا بصناعة الصحافة، بل صنعوا أجيالاً من الصحفيين، غرسوا فيهم قيم المهنة من الانضباط والإبداع، بتوجيهاتهم المباشرة وغير المباشرة.
كان الأستاذ صالح معلماً من طراز فريد، يشجع على التفكير ويزرع الثقة والطموح، وكان أحد أبرز قيادات الديسك بشخصيته المتفردة، عشق المهنة بكل تفاصيلها حتى أصبح نموذجاً نادراً للحماس والإخلاص، يبذل كل جهده لرفعة جريدة «الجمهورية»، مؤمناً بأن الصحفى الحقيقى لا يتوقف عن التعلم ولا يتنازل عن الارتقاء.
وأنا على المستوى الشخصى، جمعتنى به مواقف كثيرة لا تزال محفورة فى الذاكرة، أولها عندما كنت أعمل فى قسم الحوادث، فاستدعانى بعد أن اطلع على أحد الأخبار التى أرسلتها إلى الديسك، وقال لى «أنا شلت الخبر ده لأنه أقل بكثير من مستوى الأخبار التى تنشرها فى الصفحة الأولى، والصحفى الشاطر الذى يصعد لا ينحدر مرة تانية، واسمك ده اعتبره «أكلاشيه» لا تضعه على أى خبر»، حينها اعتبرته درساً فى الحفاظ على المستوى وعدم التراجع إلى الخلف، وفى موقف آخر، بعد انتقالى إلى قسم الأخبار، نادانى فى الديسك ممسكاً بالخبر الذى كتبته، ثم قال لى بابتسامته الجميلة «الخبر مكتوب صح، لكن فيه طريقة أصح وأقوى لكتابته، أنا بقولك الكلام ده لأنى شايف فيك صحفى كويس»، هذه الكلمات لم تكن مجرد ملاحظة مهنية، بل كانت شهادة من أستاذ كبير منحتنى ثقة، ومنذ تلك اللحظات، لم تعد علاقتنا مجرد علاقة رئيس بزميل أصغر، بل أصبحت أشبه إلى علاقة الأب بابنه.
ولم يكن ما قدمه لى استثنائياً، بل كانت طريقته مع كل من تعامل معه، فقد دعم الكثير من الصحفيين داخل المؤسسة وخارجها، وكان سبباً فى صقل مواهبهم، حتى أصبح أثره مستمراً فى تجاربهم ونجاحاتهم، ولم تتوقف إنسانيته عند حدود المهنة فقط، بل امتدت إلى كل من عرفه من زملائه والعمال فى المؤسسة، وجيرانه وأصدقائه، فقد كان إنساناً نبيلاً قبل أن يكون صحفياً كبيراً.
رحل الأستاذ صالح إبراهيم، لكن الرجال العظماء لا يرحلون تبقى سيرتهم حاضرة، وسيظل بالنسبة لى وللكثيرين، «الأب الروحى» الذى علمنا أن الصحافة ليست مجرد مهنة ولكنها رسالة، وأن النجاح الحقيقى يبدأ بالإخلاص ويكتمل بالتواضع، ويخلد بالأثر الطيب الذى يتركه الإنسان فى نفوس الآخرين.









