فى الرابع من يوليو.. تحتفل أمريكا بعامها الـ 250.. تستحضر أمتها آباءها المؤسسين، وتلك الكلمات الخالدة فى وثيقة الاستقلال عن «احترام لائق لآراء البشرية»، لكن القارئ للتاريخ يدرك أن القصة الأكثر أهمية فى لحظتنا الراهنة لا تبدأ فى فيلادلفيا 1776، بل تبدأ قبل 35عامًا، فى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتى، تلك اللحظة الفاصلة التى أخطأت فيها واشنطن قراءة التاريخ، فظنت أن اختفاء خصمها الرئيسى هو تفويض إلهى لإعادة تشكيل العالم على صورتها، فحين حين سقط جدار برلين، وتفككت الإمبراطورية السوفيتية، عاشت النخبة الأمريكية لحظة نشوة تاريخية، ولم تُقرأ نهاية الحرب الباردة كفرصة لبناء نظام دولى أكثر توازناً، بل فُسرت على أنها «نهاية التاريخ» كما تنبأ فوكوياما، واللحظة الأحادية التى لا منازع فيها للقطب الأمريكى.
فى هذا المناخ، كُتبت وثائق إستراتيجية صريحة، لعل أبرزها كتاب زبيجنيوبريجنسكى «رقعة الشطرنج الكبرى» 1997، الذى لم يخفِ طموح واشنطن للسيطرة على الكتلة الأوراسية، ومنع صعود أى قوة قادرة على تحدى الهيمنة الأمريكية.. لم يكن بريجنسكى شاذاً عن الإجماع النخبوى آنذاك، بل كان لسان حال استراتيجية تحولت من احتواء الخصم إلى اقصاء أى منافس محتمل.
هنا تكمن المفارقة التاريخية المؤلمة.. فالآباء المؤسسون تحدثوا عن جمهورية تستمد شرعيتها من احترام آراء البشرية، أما أحفادهم فى حقبة ما بعد 1991، فسلكوا طريقاً مغايراً.. فرض الرؤية الأمريكية بالقوة الناعمة تارة، وبالصلبة تارة أخرى.
هذا التحول لم يكن مجرد تغير فى التكتيك، بل كان انزياحاً فى «فلسفة القوة»، فبدل أن تكون أمريكا نموذجاً يُحتذى، أصبحت مرجعية تُفرض، وبدل أن تكون الديمقراطية قيمة تنتشر بالإقناع، تحولت فى بعض التطبيقات إلى أداة للتدخل فى الشئون الداخلية.
التاريخ يعلمنا أن كل امبراطورية بالغت فى تمددها، دفعت ثمن غطرستها.. وأمريكا رغم قوتها الاستثنائية، لم تُستثنَ من هذه القاعدة، فالحروب فى أفغانستان والعراق، والضغط على إيران، والمواجهة مع الصين، كلها فصول فى قصة «الإفراط الاستراتيجى» الذى ولّد ردود فعل مضادة.
اليوم بعد 35 عاماً من «اللحظة الأحادية»، نرى عالًًا متعدد الأقطاب يتشكل.. الصين تصعد اقتصادياً وتقنياً، وروسيا تعيد تعريف دورها، والقوى الإقليمية تبحث عن مساحات مناورة، لم تعد واشنطن تملك رفاهية فرض إرادتها بمفردها، بل أصبحت مضطرة للمساومة والتحالفات المرنة.
فى عامها الـ 250، تقف الولايات المتحدة أمام مفترق طرق.. إما أن تعود إلى روح التأسيس التى تحترم آراء البشرية، وتتعامل مع العالم كشريك لا كتابع.. وإما أن تستمر فى وهم الهيمنة المطلقة الذى أثبت التاريخ زيفه.
الدرس الأكبر خلال ربع قرن من التجارب، أن القوة الحقيقية لا تكمن فى القدرة على فرض الإرادة، بل فى القدرة على إلهام الإرادات الأخرى للانضمام طوعاً، والعالم اليوم لا يحتاج إلى قطب واحد يهيمن، بل إلى نظام متعدد يتوازن بالقانون لا بالقوة، والأمم العظيمة هى التى تتعلم من تاريخها، لا التى تكرر أخطاءها، والولايات المتحدة، بقدرتها على التجديد والنقد الذاتي، مازالت تملك الفرصة لتصحيح المسار، لكن الوقت ليس مفتوحاً إلى الأبد، فالعالم يتغير، والتاريخ لا ينتظر من يتردد فى قراءة إشاراته.









