نعم من الصعب تحديد «فائز» مطلق فى أى مواجهة عسكرية أو سياسية شاملة ، وأخرها الحرب بين إيران ووشنطن وتل أبيب، لأن الحسابات تختلف بين مكاسب جيوسياسية، خسائر اقتصادية، وأثمان بشرية وإستراتيجية.. فلم تعد الحرب مجرد معادلة «قصف وتدمير»، بل أصبحت تُقاس بمدى تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية.
لكن هل يمكن القول ان إيران هى الفائز الإستراتيجى؟!
نعم إيران كانت الطرف الأضعف تقليديًا فى مواجهة تكنولوجية وعسكرية مباشرة مع أمريكا وإسرائيل، ويكون السؤال أيضًا كيف حولت طهران «إدارة الأزمات» من الدفاع ومحاولة البقاء إلى فرض واقع جيوسياسى واقتصادى جديد.. وكيف استطاعت إلحاق الضرر بخصومها عبر «حرب اللامتناظرة» من خلال حلفائها، قائلة بوضوح: لن أخسر بمفردى، وسحبت المنطقة معها بل ودفع العالم الثمن من إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط.
نعم يميل ميزان القوى العسكرى والتكنولوجى لصالح واشنطن وتل أبيب، لذلك اعتمدت طهران على إستراتيجية «الحرب اللامتناظرة» بنقل المعركة إلى ساحات خارج الحدود بدلاً من مواجهة الصواريخ والتكنولوجيا السيبرانية «الإسرائيلية – الأمريكية» فى العمق الإيرانى وقامت إيران بتفعيل شبكة حلفائها الإقليميين.. هذا التوزيع الجغرافى للمخاطر جعل أى ضربة موجهة لإيران تعنى تلقائياً اشتعال جبهات متعددة فى وقت واحد.
وصاغت إيران معادلة أمنية واضحة مفادها «الكل يخسر أو الكل يربح» يعنى استهداف بنيتها التحتية أو السعى لإسقاط نظامها لن يمر دون دفع الإقليم والعالم بأسره الثمن.. تجلى ذلك فى التهديد الفعلى والعملى لطرق الملاحة الدولية، مما حوّل أمن الطاقة العالمى إلى رهينة للمظلة الأمنية الإيرانية.
ورغم الاغتيالات القاسية التى طالت قادة من الصف الأول وتدمير بعض المنشآت نجح النظام فى البقاء ولم يسقط وظلت الدولة متماسكة، يعنى فشل الهدف الأسمى للمحور «الأمريكى – الإسرائيلى».. إما إسقاط النظام، أو إدخال إيران فى فوضى عارمة وتقسيمها داخليًا عبر تدمير بنيتها الاقتصادية والعسكرية.. لم يتحقق أى من هذا، بل خرجت الجغرافيا الإيرانية موحدة، وظل الهيكل السياسى للنظام متماسكًا، والمهم أن النواة الصلبة لبرنامج إيران الصاروخى وترسانتها الباليستية، إلى جانب البنية الأساسية لبرنامجها النووى، بقيت سليمة ولم تُمس فى جوهرها، مما يعنى أن أدوات الردع الإيرانية للمستقبل لا تزال قائمة شرعنة «الجباية الجيوسياسية» وفرضت إيران تفوقًا غير متماثل عبر إغلاق مضيق هرمز والتحكم به، مما جعلها تتحكم بـ «شريان الطاقة العالمى» وفرض شروطها يعنى «شرعنة» الجباية الجيوسياسية ومحاولة فرض «واقع ما بعد الحرب»، يكشف ذلك رئيس البرلمان الإيرانى محمد باقر قاليباف بقوله بأن «إدارة المضيق لن تعود أبدًا إلى ما كانت عليه قبل الحرب» وهو ما يعكس رغبة طهران فى فرض سيادة قانونية وأمنية. ويتجلى ذلك فى عولمة الرسوم «الأمن والبيئة مقابل العبور» بفرض رسوم مرور تحت مسميات «خدمات الأمن والسلامة وحماية البيئة» لجمع ما يقارب 40 مليار دولار سنويًا، يعنى محاولة لتحويل النفوذ العسكرى إلى مؤسسة اقتصادية مستدامة.. إيران هنا تحاول محاكاة القوانين المنظمة للممرات المائية الاصطناعية «كالقنوات الدولية» وتطبيقها على مضيق طبيعى ودولى، مما يمثل سابقة فى القانون الدولى البحرى تعيد صياغة مفهوم حرية الملاحة.
ولغز تصريح ترامب يثير علامات الاستفهام: «إيران أبلغت واشنطن بالتزامها بإبقاء المضيق مفتوحاً فى فترة الهدنة دون فرض أى رسوم عبور أو تكاليف تأمين».. هذا يوضح مهارة التفاوض الإيراني؛ حيث تم تحويل «حق الملاحة المكفول دولياً» إلى «ورقة مقايضة» وتنازل مؤقت يُمنح للجانب الأمريكى خلال الهدنة.. والسؤال الإستراتيجى «ماذا بعد 60 يومًا؟»
والمتابع للأحداث يرى أن إيران تحاول استغلال الحرب بالخروج من الحصار إلى التعافى الرسمى.. كيف؟
بتفكيك العقوبات والحصول على السيولة النقدية باسترداد الأصول المجمدة «24 مليار دولار» والبداية الإفراج عن 12 مليار دولار كخطوة أولى بقرار أمريكى هو اعتراف ضمنى بفشل سياسة «الضغط الأقصى». هذه الأموال لا تمثل فقط إنقاذًا مالياً مباشراً للاقتصاد الإيرانى المتعثر، بل هى بمثابة «فدية جيوسياسية» دفعتها الأطراف الدولية مقابل تأمين تدفق النفط عبر المضيق.. والمهم أيضًا العودة الرسمية لسوق النفط بالسماح لطهران بتصدير النفط رسميًا وبشكل علنى بعد سنوات من التخفى وبيع الشحنات بأسعار مخفضة فى السوق السوداء، يعنى إعادة دمج إيران فى النظام المالى العالمى من موقع القوة وليس الامتثال، مما يمنح النظام تدفقات نقدية مستدامة تحميه من أى اضطرابات داخلية مستقبلية.
> وبذلك ألا تعتبر إيران هى الفائز الحقيقى؟!
نعم، بموجب الحسابات البراجماتية وواقع موازين القوى الحالي، يمكن اعتبار إيران الفائز الإستراتيجى.. كيف؟









