وأنا أعد أيام غياب القناة الوثائقية، لعدم معرفتى بترددها الجديد، رأيت فيلما من إنتاجاتها الأخيرة، لم يعرض كثيرا وان كان يستحق، خاصة فى أيام البحث عن الفرحة والبهجة التى نحتاجها الآن، فهو فيلم عن الفنان المصرى الوحيد الذى صنع له الناس نماذج من الشخصية التى ابتكرها وغنى لها وهى الأراجوز، أنه محمود شكوكو، الفنان الشعبى الكبير، وأحد أساطير الفن فى مرحلة شهدت كل أنواع الأساطير الفنية فى مصر، من أساطير السينما مثل صلاح أبوسيف ويوسف شاهين وغيرهم إلى أساطير الموسيقى والغناء مثل عبدالوهاب والسنباطى وأم كلثوم وأساطير المسرح مثل زكى طليمات ونجيب الريحانى وغيرهم، وهنا يقف شكوكو فى مكان وحده كمغن وممثل وراقص ومبتكر لفن الأراجوز بما يمثله من ابتكار وتقليد وسخرية فى قوالب أدائيّة عديدة، بل أن بعض أغنياته أصبحت ضمن الأمثال التى نرددها عند اللزوم بعد سنوات طويلة مثل «ورد عليك.. فل عليك» ومثل «السح الدح امبو، الواد طالع لابوه» وغيرها.
بين الصعود والهبوط
ينتقل بنا الفيلم بين رحلة حياة صعبة، انتقل فيها شكوكو بين مراحل مختلفة من الصعود والهبوط عكس ما نعرفه عن رحلات أهل الفن التى تبدأ بالصعود والاستمرار غالبا، لكننا هنا، ومن خلال سرد مهم لمن تحدثوا عنه فى الفيلم من كتاب ونقاد مثل أيمن الحكيم وأشرف غريب وجرجس شكرى ودكتور محمد عبدالمعطى وكيف كان متألقا فى العمل فى الغناء وفي المسارح، ثم السينما التى بدأ يغزوها، بل انه كون ثنائية فنية مع اسماعيل يس بدأت بالصداقة قبل أن تتحول إلى صراع على الأولوية ومن هو نمبر وان وهو ما كان واضحا فى فيلم «عنتر ولبلب» اللذان قاما ببطولته معا، ولكن جاء العهد الجديد ليؤثر على الجميع، فبعد شهرين من وصوله لسن الأربعين قامت ثورة يوليو 1952 ليتوقف فترة بحثا عن دوره، وليقدم منلوجا وحيدا فى مناسبة معركة تأميم قناة السويس بعنوان «ياعزيز»، ولترتبك أعماله، ويقل عدد أفلامه بعد أن قدم 12 فيلما عام 1952 بمعدل فيلم كل شهر، فبدأ العدد يقل، وخاصمته السينما فى بداية الستينيات فغير الاتجاه.
هنا شارلى شابلن العرائس
فى مارس 1960 أسس مسرح العرائس، وعاد لتقديم الأراجوز، واستعان بمشاهير الفن للمشاركة فى المسرحيات الجديدة مثل محمد رشدى وسعاد مكاوى ويوسف شعبان وحمدى أحمد وسامية جمال والسيد راضى وغيرهم والمخرج صلاح السقا.. ولأجل تحويل الأراجوز الشعبى إلى فن مسرحى باع ثلاثة تاكسيات يملكها وتحول إلى نجم لعروض مسرحية هو بطلها ويذهب اليها الجمهور لاسمه، وليلقب بشارلى شابلن العرائس، ثم يعود للسينما فى أدوار قليلة، وبعد النكسة، وكان قد أكمل 65 عاما، استأجر عربة نقل كبيرة جعلها مسرحا للعرائس وطاف بها محافظات مصر لجمع التبرعات لأجل المجهود الحربى، وبعد سنوات قليلة ذهب إلى نيويورك مدعوا من الجالية المصرية هناك لإحياء حفلة وحين عرف بمعركة اكتوبر قفز فرحا وعاد فى اليوم التالى لمصر ليغنى موالا جديدا عن النصر، وفى عام 1979 كرمه السادات فى عيد الفن بجائزة الدولة التقديريّة برغم اعتراض البعض، لتكون أسعد لحظات حياته، وبعدها قدم مسرحيتين على المسرح هما «زقاق المدق» لنجيب محفوظ و«الزيارة انتهت» لمحمود دياب، وكان قد تعدى الثمانين، وبدأت زوابع الشيخوخة تحاصره حتى رحل فى 21 فبراير 1985 حزينا لرحيل زوجته قبله، ولتتحول رحلة وداعه الأخيرة الى رسالة من الجمهور المصرى بمحبته وتقديره فى نهاية الفيلم الذى كتبه وأخرجه أحمد وهدان وقامت رندا فيصل بالأبحاث حول حياته بينما قام بالمونتاج مينا جميل تحت قيادة شريف سعيد رئيس القناة، هذا الفنان الكبير وغيره جزء من تاريخ مصر، فهل ننتظر طويلا حتى تعود القناة الغائبة لتكمل مهمتها مع تاريخنا، وتاريخ العالم أيضا.









