مر تصريح سياسى عالمى بالغ الأهمية هذا الأسبوع دون أن يلقى ما يستحقه من اهتمام، رغم أنه يبشر بفكرة عبقرية يمكن أن تلعب دوراً كبيراً فى إعادة تشكيل النظام العالمى بصورة أكثر عدالة وإنصافاً لشعوب الأرض.
التصريح منسوب إلى «ديمترى ميدفيديف» نائب رئيس مجلس الأمن القومى الروسى والمناسبة هى عودته من زيارة لإيران للمشاركة فى مراسم تشييع جنازة المرشد الأعلى الإيرانى الراحل على خامنئى الذى اغتالته إسرائيل خلال حربها المشتركة مع امريكا على إيران.
و«ميدفيديف» لمن لا يعرفه هو أبرز صقور القيادة الروسية وأكثر تشدداً من الرئيس بوتين نفسه، ولذلك يستخدمه بوتين فى صراعه مع الغرب الذى يسعى بكل وسيلة لهزيمته أو الإطاحة به، ليقول لهم إن هذا هو بديله فى حالة غيابه.
والعلاقة بين الرجلين وثيقة، وقد ظهرا معاً على مسرح السياسة الروسية فى توقيت متقارب بداية هذا القرن، وعينه بوتين رئيساً للوزراء، وعندما أنهى بوتين فترتى رئاسته الأوليين، وأراد الاستمرار، ولم يكن الدستور يسمح له بفترة جديدة، لم يعدل الدستور ولجأ إلى فكرة تبادل موقعه مع رئيس وزرائه، فدفع بميدفيديف إلى انتخابات الرئاسة عام 2008 ليفوز بها ويصبح هو الرئيس وتولى بوتين رئاسة الوزراء، حتى انتهت فترة الرئاسة، وعاد بوتين ليحصل على فترتى رئاسة جديدتين حتي2030 وعين ميدفيديف نائباً له فى رئاسة مجلس الأمن القومى الروسى.
ماذا قال ميدفيديف فى تصريحه الذى هو موضوعنا الآن؟!
قال إن هناك «تنسيقاً» إستراتيجيًا معمقًا مع الرئيس الإيرانى «بزشكيان» لبناء منصة دولية موحدة تجمع الدول الخاضعة للعقوبات الغربية، لتنسيق المواقف وتبادل الخبرات.
هذه أول مرة يتم الكشف عن هذه الفكرة العبقرية التى يمكن أن تقلب، بهدوء ومشروعية وبالطرق السلمية، النظام العالمى رأساً على عقب، وتشكل أقوى وأوسع حلف عالمى غير عسكرى من ضحايا العقوبات الغربية الأمريكية الأوروبية فى مختلف قارات العالم، سواء كانت دولاً كبرى أو وسطى أو صغيرة.
فالمعروف أن أمريكا وأوروبا هما مصدر العقوبات الدولية التى يتم فرضها على دول العالم خارج نطاق الأمم المتحدة، وأن اكثر الدول تعرضاً لها وأشهرها هى إيران منذ قيام ثورتها الإسلامية عام 1979 وكوريا الشمالية وروسيا منذ استيلائها على شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم مع بدء حربها ضد أوكرانيا قبل أربع سنوات حتى الآن، تعرضت خلالها لما يزيد على عشر «حزم» من العقوبات المتنوعة فى مختلف المجالات.
كما تتعرض الصين ايضا لبعض هذه العقوبات، بعضها بدعوى سجلها السلبى فى مجال حقوق الانسان وبعضها بسبب تايوان، وبعضها الثالث نتيجة نزاعات تجارية واقتصادية، وان كانت الصين ترد فى هذه الحالة الأخيرة بعقوبات مماثلة على شركات أو منتجات غربية.
هذا الرباعى العالمى المكون من قوتين عالميتين هما الصين وروسيا وقوتين اقليميتين هما إيران وكوريا الشمالية، هو ــ لحسن الحظ ــ يقوم على شراكة إستراتيجية قوية بين أطرافه بعضها البعض، فى الأهداف والتوجهات، وكان يفتقر إلى إطار موحد يجمعه دون أن تثير ردة فعل عكسية من الغرب، وكان إنشاء مجموعة دول الـ «بريكس» أحد مخرجات بحثه عن هذا الإطار.
ويأتى مشروع إنشاء المنصة الذى كشف «ميدفيديف» عنه ليقدم بديلاً عبقرياً أفضل، وأكثر اتساعاً وأشد تأثيراً واستدامة.
لقد تغول الغرب على العالم كله بعقوباته حتى شملت عشرات الدول، وأضرت بحياة عشرات الشعوب، وانتزع من المجتمع الدولى سلطة فرض العقوبات وفقاً لنصوص الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لينقلها إلى الكونجرس الأمريكى وإلى الاتحاد الأوروبى، لتصبح القوانين الأمريكية وقوانين الاتحاد الأوروبى هى ما يحكم العالم، وتصدر العقوبات الأحادية الجانب على ما لا ترضى عنه من الدول والشعوب، وتتدخل لمنع مجلس الأمن من معاقبة من يستحقون العقاب مثل إسرائيل.
ويأتى مشروع انشاء هذه المنصة الدولية لضحايا العقوبات الغربية كرسالة قوية تؤكد أن العالم ضج من هيمنة قوة واحدة على مقدرات دوله وشعوبه، وأنه آن الأوان ليقف الجميع صفاً وحداً وقوة واحدة فى وجه هذه الهيمنة لإنهاء عقود من الظلم والخسائر بسبب هذه العقوبات.
إن قائمة ضحايا العقوبات الغربية طويلة.. ولقد بحثت عن رقم يحدد عدد الدول الخاضعة لها، فوجدت تقديرات مختلفة لكن أبرز هذه الدول ــ بعد الرباعى الذى أشرت إليه ــ تضم افغانستان ــ بيلا روسيا ــ ميانمار ــ افريقيا الوسطى الكونغو الديمقراطية ــ كوبا ــ العراق ــ هايتى ليبيا ــ الصومال ــ إثيوبيا ــ كمبوديا ــ السودان.. إلى آخره.
وقيمة مشروع المنصة الدولية التى يجرى بحثه بين روسيا وإيران، أنه سيكون نواة لحلف غير عسكرى لا يستطيع أحد أن يعترض عليه أو يعتبره تهديداً له.. وأنه حلف دفاعى بين دول تنسق فيما بينها لدفع ورفع الظلم غير المشروع الذى تتعرض له، وأنه بهذا المعنى يمكن أن يجذب إليه أكبر عدد من الدول، سواء من تقع تحت سيف هذه العقوبات، أو من تتحسب لاحتمال تعرضها لعقوبات فى المستقبل، أو من تحترم القانون الدولى وتريده وحده حاكما لها دون تمييز أو أزدواجية فى المعايير.
وبالتأكيد، فإن قرار إنشاء هذه المنصة لا بد أن يتضمن كل هذه التأكيدات، ويوثق معايير التعامل مع قضية العقوبات الدولية بشكل جماعى.
لقد حان وقت نزع سلاح العقوبات من أيدى من يفترون به على العالم، ويجعلون من أنفسهم سلطة أعلى من سلطة المجتمع الدولى، وقانوناً فوق قوانينه وسيكون هذا أحد أبرز مكاسب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.









