إن استعادة ريادة الإعلام المصرى ليست حلمًا بعيد المنال ولا حنينًا إلى أمجاد الماضي، بل ضرورة وطنية تفرضها تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل. فمصر التى صنعت مدرسة صحفية وإعلامية رائدة فى العالم العربي، وأسهمت لعقود طويلة فى تشكيل الوعى العربى وصياغة الرأى العام، تمتلك من التاريخ والخبرة والكفاءات ما يؤهلها لاستعادة مكانتها وتأثيرها. غير أن هذه العودة لن تتحقق بالأمنيات، وإنما برؤية واضحة، تساندها إرادة سياسية جادة، تحتاج إلى عمل مؤسسى منظم يدرك أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح إحدى أهم أدوات بناء الإنسان وصناعة الوعى وحماية الأمن القومى.
ولعل ما يبعث على التفاؤل أن قضية تطوير الإعلام عادت إلى صدارة الاهتمام الوطنى من أعلى مستوى فى الدولة. ففى خطابه أثناء افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة «الأوكتاجون» يوم السبت الماضى، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسى دعوة واضحة وصريحة لتطوير ودعم الإعلام المصرى، مؤكدًا أهمية فتح نقاش موضوعى حول أوضاعه وتحدياته، وعقد اجتماع سنوى فى الثالث من ديسمبر لمراجعة مساره وتقييم أدائه والخروج بتوصيات عملية تضمن التطوير المستمر. وهذه الدعوة لم تكن حديثًا عابرًا، وإنما إعلان إدراك عميق بأن معركة الوعى لا تقل أهمية عن أى معركة أخرى تخوضها الدولة، وأن الإعلام أصبح أحد المكونات الرئيسية للأمن القومى الشامل.
لقد جاء هذا التوجيه الرئاسى فى توقيت بالغ الدلالة، فى عصر تتداخل فيه الحقيقة بالشائعة، وتتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الخبر والرأي، وتتسابق فيه المنصات الرقمية على كسب العقول والقلوب. ولم يعد الخطر فى نقص المعلومات، بل فى طوفان المعلومات غير المنضبطة، وفى القدرة على تزييف الوعى وتوجيه الرأى العام. ولذلك كان القرآن الكريم حاسمًا حين قال تعالي: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا»، فجعل التثبت من الأخبار أصلًا من أصول الاستقرار المجتمعى وحماية الناس من الظلم والفتنة.
إن دعوة الرئيس السيسى تضع الإعلام المصرى أمام فرصة تاريخية لا تحتمل التباطؤ أو المعالجات الجزئية. فالمطلوب ليس مجرد تغيير بعض البرامج أو استبدال بعض الوجوه، وإنما إعادة بناء منظومة إعلامية متكاملة تقوم على المهنية، والحرية المسئولة، والحوكمة، والشفافية، والتكنولوجيا، والتدريب، والتمويل المستدام، وقياس الأثر.
ويبدأ الإصلاح بإعادة تعريف الرسالة الإعلامية نفسها. فالإعلام الوطنى ليس إعلامًا دعائيًا، ولا إعلامًا يكتفى برد الفعل، وإنما إعلام يصنع الوعي، ويفسر الأحداث، ويقدم الحقيقة كاملة غير منقوصة، ويتيح الرأى والرأى الآخر فى إطار من المسؤولية الوطنية واحترام عقل المواطن. وقد أرشدنا القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ».
كما أن الاستثمار الحقيقى يجب أن يتجه نحو العنصر البشري، فالإعلام القوى تصنعه الكفاءات المؤهلة والعقول المدربة. وقد قال رسول الله : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، والإتقان فى العمل الإعلامى لم يعد رفاهية مهنية، بل ضرورة لحماية المجتمع من التضليل والفوضى المعلوماتية.
وأصبح التحول الرقمى بدوره ضرورة لا خيارًا، لأن معركة الوعى اليوم تُخاض عبر المنصات الإلكترونية والخوارزميات والمحتوى القصير والحسابات المؤثرة. ومن ثم فإن امتلاك منظومة حديثة لإدارة المحتوى الرقمي، والتحقق من الأخبار، ورصد الشائعات، وتوظيف الذكاء الاصطناعى بكفاءة وضوابط أخلاقية، أصبح أحد متطلبات الأمن القومى.
وتبرز هنا أهمية الدور المنتظر لوزارة الدولة للإعلام، التى ينبغى أن تقود عملية بناء منظومة إعلامية قوية ومتكاملة، تنسق بين المؤسسات الإعلامية والصحفية والجهات الحكومية، وتضع استراتيجية وطنية واضحة المعالم، وتؤسس لمعايير مهنية قابلة للقياس، وتبنى شراكات مع الجامعات ومراكز البحوث والخبرات المتخصصة، وتوفر آليات مستدامة للتدريب والتطوير والتقييم، حتى يصبح إصلاح الإعلام مشروعًا وطنيًا مستمرًا لا يرتبط بظرف أو مناسبة.
غير أن أى مشروع جاد لتطوير الإعلام لن يكتمل ما لم ينتقل من دائرة الانطباعات إلى ثقافة قياس الأثر. فالإعلام الناجح لا يُقاس بعدد ساعات البث أو كثافة النشر أو حجم المتابعة فقط، بل بقدرته على بناء الثقة، وتصحيح المفاهيم، ومواجهة الشائعات، والتأثير الإيجابى فى اتجاهات الرأى العام. ومن ثم، فإن بناء منظومة علمية لقياس الأداء والأثر الإعلامي، تعتمد على مؤشرات واضحة واستطلاعات رأى وتحليل للمحتوى ودراسات ميدانية، يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من استراتيجية التطوير، لأن ما لا يُقاس لا يمكن تطويره.
ومن أهم استحقاقات الإصلاح كذلك الإسراع فى إصدار قانون لتداول المعلومات، فلا إبداع فى الإعلام دون إتاحة المعلومات، ولا صحافة مهنية فى ظل صعوبة الوصول إلى البيانات الدقيقة فى التوقيت المناسب. إن حجب المعلومات يخلق فراغًا سرعان ما تملؤه الشائعات والتأويلات، بينما إتاحة المعلومة الصحيحة تعزز الثقة وترفع جودة الأداء الإعلامى والصحفي. وقد قال الله تعالي: «وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»، وفى الآية الكريمة إشارة بليغة إلى أن إخفاء الحقائق وغياب المعلومات يفتحان الباب للخلط والالتباس، بينما الشفافية والوضوح من أهم ركائز بناء الوعى السليم.
وفى السياق نفسه، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة تجربة المستشارين الإعلاميين فى الوزارات والهيئات العامة وتقييمها بعناية وموضوعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة. فالغاية ليست الإلغاء أو الإبقاء، وإنما معرفة مدى إسهام هذه التجربة فى تحسين تدفق المعلومات، وتيسير عمل الصحفيين والإعلاميين، ورفع مستوى التواصل مع الرأى العام. فالتجربة الناجحة هى التى تقرب المعلومة من وسائل الإعلام وتسرع تداولها وتدعم الشفافية، أما إذا تحولت إلى حلقات بيروقراطية إضافية تؤخر المعلومة أو تحد من انسيابها، فإنها تصبح بحاجة إلى إعادة نظر وتصحيح للمسار. فالمعلومة الصحيحة فى توقيتها الصحيح هى الخطوة الأولى فى صناعة وعى صحيح.
وإذا كان الشىء بالشىء يذكر، فقد شهدت مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر، «جريدة الجمهورية» أثناء رئاستى لمجلس إدارتها، تجربة إصلاحية استندت إلى الاستعانة بالخبرات الأكاديمية والمهنية، من خلال التعاون مع كلية الإعلام بجامعة القاهرة ومؤسسة حازم حسن، اللتين أسهمت كل منهما فى وضع دراسة جادة بهدف تطوير الأداء المؤسسى والمحتوى الصحفى والارتقاء بالكفاءات البشرية. وأرى أن هذه التجربة، بما حملته من رؤى وخطوات عملية، يمكن الاستفادة منها فى سياق مشروع التطوير الشامل للإعلام المصري، انطلاقًا من أن الإصلاح الحقيقى يقوم على التخطيط العلمى والاستعانة بالخبرات المتخصصة والشراكات المؤسسية الجادة.
ولا يفوتنا فى هذا السياق الإشادة بما تقوم به الهيئة الوطنية للصحافة من جهود ملموسة لتطوير المؤسسات الصحفية القومية والنهوض بها، سواء على مستوى إعادة الهيكلة، أو تحديث الأداء، أو دعم التحول الرقمى، أو تعزيز الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الصحفية. وهى جهود مشكورة تعكس إدراكًا لأهمية الصحافة القومية ودورها التاريخى فى تشكيل الوعى الوطنى وصون الهوية المصرية.
وقد أدرك أسلافنا خطورة الكلمة وأثرها فى بناء الأمم وهدمها، فقال الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه: «تكلموا تُعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه»، وقالت الحكمة العربية: «لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه».
إن الإعلام القوى ليس رفاهية، بل أحد أعمدة الدولة الحديثة وأحد شروط التنمية الشاملة. وحين يستعيد الإعلام المصرى مهنيته وريادته وقدرته على مخاطبة العقول والوجدان، فإنه لن ينعش مؤسساته فحسب، بل سيسهم فى بناء إنسان أكثر وعيًا، ومجتمع أكثر تماسكًا، ودولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. وصدق الله العظيم إذ يقول: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ»؛ فنهضة الإعلام، كنهضة الأوطان، لا تصنعها الشعارات، وإنما يصنعها العمل الجاد والرؤية الواضحة والكلمة الصادقة.









