أكد عدد من خبراء البيئة والزراعة أن التصحر والجفاف لم يعودا مجرد تحديين بيئيين عابرين، بل تحولا إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي والتنمية المستدامة. وشدد الخبراء على أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب تكاملاً وثيقًا في الجهود بين مؤسسات الدولة، والمراكز البحثية، والمنظمات الدولية، إلى جانب تبني ممارسات زراعية مستدامة تحافظ على التربة وتعزز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع التغيرات المناخية.
جاء ذلك خلال الندوة التي نظمتها شُعبة محرري شئون البيئة بنقابة الصحفيين تحت عنوان: «المراعي والأراضي الزراعية… فرص الحفاظ عليها ومواجهة التحديات». وشهدت الندوة حضورًا علميًا وإعلاميًا لافتًا، بمشاركة نحو 16 خبيرًا وباحثًا يمثلون كبرى المؤسسات العلمية والبحثية، مثل:
- مركز بحوث الصحراء، وأكاديمية البحث العلمي.
- مركز الحفاظ على الأصول الوراثية، ومركز قياس البصمة الكربونية.
- معهد تيودور بلهارس، وهيئة الطاقة الذرية.
- منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو).
كما شارك في اللقاء 21 صحفيًا وإعلاميًا، في مشهد عكس اهتمامًا متزايدًا بقضايا الاستدامة البيئية. وحظيت الفعاليات بتغطية متميزة عبر لقاءات لقناة “النيل للأخبار”، وحلقات بودكاست سجلها فريق “سوشيال ميديا الأهرام” مع نخبة من المتحدثين لنقل التوصيات للجمهور.
خسائر مليارية وتغيرات مناخية متسارعة
في مستهل الندوة، حذرت الدكتورة نعمة الله عبد الرحمن، رئيس القسم البيئي بجريدة الأهرام، من تصاعد مخاطر التدهور البيئي، مستعرضةً أرقامًا تعكس حجم التحدي عالميًا؛ حيث يتكبد العالم خسائر تُقدر بنحو 300 مليار دولار سنويًا نتيجة التصحر. وأشارت إلى أن 70 دولة فقط تمتلك خططًا وطنية لمواجهة الظاهرة، مؤكدة أن التغير المناخي يعد المحرك الرئيسي لاتساع رقعة الأراضي المتدهورة وزيادة حدة الجفاف، مما يستدعي تكاتفًا دوليًا عاجلاً.
التصحر يهدد المنطقة العربية
من جانبه، أكد السفير الدكتور محمود فتح الله، مدير إدارة البيئة بجامعة الدول العربية، أن التصحر والجفاف يمثلان أخطر التحديات الراهنة في المنطقة العربية، نظرًا لتأثيراتهما المباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصاد الموجه للزراعة. ولفت إلى أن معدلات تدهور الأراضي تجاوزت 60% في بعض الدول العربية، وسط توقعات بتراجع حاد في إنتاجية المحاصيل بحلول عام 2050 نتيجة الاضطرابات المناخية. وأوضح أن الحل يكمن في استعادة الأراضي المتدهورة، والتوسع في مشروعات التشجير، وتطوير سياسات تكيف مرنة.
شراكات إقليمية ودولية لمواجهة التحدي
وأضاف “فتح الله” أن جامعة الدول العربية تقود جهودًا متكاملة لمكافحة التصحر عبر مجالسها الوزارية ومنظماتها المتخصصة، بالتعاون مع شركاء دوليين وفي مقدمتهم منظمة (الفاو) ومنظمات المجتمع المدني. وأشار إلى إطلاق شراكات نوعية ومحورية، أبرزها تأسيس المركز العربي الصيني للتعاون الدولي في مكافحة التصحر وتدهور الأراضي، والذي يهدف إلى تبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات مشتركة لاستعادة التربة، مع التركيز على الدول العربية الأقل نموًا والأكثر تضررًا.
الإدارة المستدامة للتربة والزراعة الذكية
وفي سياق متصل، استعرض الدكتور أشرف الصادق، خبير برامج إدارة التربة بمنظمة (الفاو)، أطر التعاون المشترك مع الحكومة المصرية لتنفيذ برامج الإدارة المستدامة، من خلال التوسع في “مدارس المزارعين الحقلية”، ونشر ممارسات الزراعة الذكية مناخيًا. وأوضح الصادق مفهومًا هامًا بأن:
“التصحر لا يعني تحول الأراضي إلى صحراء قاحلة بالمفهوم التقليدي، بل هو تراجع وإنهاك لإنتاجية التربة نتيجة الممارسات البشرية غير الرشيدة والتغير المناخي”.
وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة معدلات البخر، وتملح التربة، تشكل الثالوث الأكثر خطورة على الدلتا والواحات المصرية.
حماية الأصول الوراثية وبنوك البذور
وشدد الدكتور الصادق على أهمية رفع وعي المزارعين بترشيد استخدام المياه والأسمدة، ودعم مشروعات كفاءة الري وتدوير المخلفات الزراعية. كما نوه بنقطة استراتيجية تتمثل في حماية الأصول الوراثية للأصناف النباتية المحلية وعدم إهمالها لصالح الأصناف الاقتصادية الحديثة، مشيدًا بإنشاء بنك للبذور بمحطة مركز بحوث الصحراء في الوادي الجديد كخطوة وثيقة لحفظ الموارد النباتية ودعم البحث العلمي لتعزيز الأمن الغذائي.
تدهور المراعي الطبيعية في مصر
بدوره، وصف الدكتور حسن الشاعر، مدير مركز التميز المصري للزراعة الملحية بمركز بحوث الصحراء، التصحر بأنه التحدي الأكثر تهديدًا للأمن الغذائي المصري نتيجة تدهور الغطاء النباتي وفقدان التنوع البيولوجي وزحف الرمال.
وأوضح الشاعر أن الأراضي والمراعي الطبيعية في مصر، والتي تمتد على مساحة تتراوح بين 10 إلى 15 مليون فدان، تواجه تراجعًا حادًا واختفاءً للنباتات الرعوية ذات القيمة الغذائية العالية، بفعل الرعي الجائر، وموجات الجفاف المتكررة، وسوء إدارة الموارد، مما ينعكس سلبًا على تنمية الثروة الحيوانية وإنتاج اللحوم والألبان.
حلول تقنية ونحو خريطة قومية للتصحر
وتابع مدير مركز التميز بالإشارة إلى جهود الدولة المصرية في مواجهة هذه المعضلات، عبر برامج حصاد مياه الأمطار، واستزراع النباتات المتحملة للجفاف والملوحة، وتوظيف تقنيات الاستشعار عن بعد لرصد التغيرات في التربة. ودعا في ختام كلمته إلى ضرورة إعداد خريطة قومية محدثة للتصحر، وإعادة تأهيل المراعي بالاعتماد على النباتات المحلية لضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.
الأسمدة الكيماوية والزراعة العضوية: ميزان الأمن الغذائي
من زاوية اقتصادية، تناول الدكتور أسامة درويش، أستاذ الاقتصاد المساعد، دور الأسمدة الكيماوية في رفع الإنتاجية الزراعية، محذرًا من أن الاستغناء الكامل والفجائي عنها سيتسبب في تراجع كبير للمحاصيل؛ وهو ما يمثل مأزقًا اقتصاديًا حرجًا في ظل محدودية الرقعة الزراعية والموارد المائية بمصر.
ولفت درويش إلى أن تراجع الإنتاج المحلي سيعمق الاعتماد على الاستيراد، لا سيما وأن مصر تستورد حاليًا أكثر من 55% من احتياجاتها من القمح، مما يفرض أعباءً إضافية على العملة الأجنبية. ودعا إلى تبني استراتيجية للتوسع التدريجي والمدروس في الزراعة العضوية لبعض المحاصيل المحددة، بما يضمن التوازن بين صون البيئة وتحقيق الأمن الغذائي.
خاتمة الندوة
اختتمت الندوة، التي استمرت مناقشاتها الثرية لأكثر من ساعتين ونصف، بتأكيد جماعي من المشاركين على أن مواجهة التصحر والجفاف لم تعد مسؤولية جهة بيئية بعينها، بل هي قضية أمن قومي وتنموي متشابكة. وخلص المجتمعون إلى أن الاستثمار في حماية التربة وإعادة تأهيل الأراضي لم يعد رفاهية أو خيارًا مطروحًا، بل ضرورة حتمية لوقاية المجتمعات من التداعيات العنيفة للتغيرات المناخية.














