منسوب لرئيس الوزراء البريطاني التاريخى «ونستون تشرشل» مقولة عميقة تقول: «التاريخ يكتبه المنتصرون»، وبالضرورة «التاريخ لا يكتبه النشطاء»، التاريخ يكتبه المؤرخون، لا يكتبه من فى قلوبهم مرض من الأبطال، وحروب مصر رسمت أبطال المحروسة فى حُلَّة وطنية زاهية مطرزة بآيات الفخار.
التاريخ يكتبه من خاضوا غمار الحرب، واكتووا بنارها، وتحملوا غُرم الحرب صابرين ، وفازوا بشهادة أو بنصر مبين. البطولة ليست نزهة خلوية، ولكنها تضحيات جسام، والأبطال «العظماء» يذكرهم التاريخ في سطوره، ويسجل ذكراهم العطرة لأجيال مقبلة، لتقتات البطولة والفداء في حب وطن عظيم يستحق الخلود.
نعم، التاريخ يكتبه المنتصرون، كما هو منسوب لـ«تشرشل»، ونضيف: التاريخ لا يكتبه النشطاء كما يحاولون، على طريقة «المقصدار»، ترزية التاريخ، انتقاصًا من أدوار تاريخية بثأرية سياسية عميقة ومستبطنة.
الفيلم التسجيلي الذي شاهده المصريون خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة «الأوكتاجون» بالعاصمة الجديدة، تحت عنوان «قادة وأبطال»، يرسم أبطال المحروسة في الأعين. ذاكرة القوات المسلحة المصرية حية، وضميرها يقظ وصادق، ولا تنسى الفضل لأهل الفضل، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو فضل.
في الفيلم الراقي الموثق للبطولات، يظهر اللواء «محمد نجيب» كما لم يظهر من قبل، قائدًا عظيمًا للضباط الأحرار، في رد اعتبار لقائد عظيم من أبطال المحروسة، الذي ثار على الملكية والاستعمار. اللواء نجيب ظُلم كثيرًا وطويلًا، لكن تصدُّر صورته فيلم «قادة وأبطال» يترجم أن القوات المسلحة تعرف قدر الرجال، وتنزلهم منازلهم، ومهما طال زمن الزيف، فلا بد من نهار يزيح إشراقه الغبار عن وجوه وطنية عظيمة، لها من المآثر الوطنية ما يتوجها في القلوب، ويضعها فوق الرءوس.
التاريخ لا يكتبه النشطاء، وظهور صورة خالد الذكر الزعيم جمال عبد الناصر في هذه الصورة البهية، وهو يعلن بصوته وصورته قرار تأميم شركة قناة السويس شركةً مساهمةً مصريةً، مما يدعو للفخار، ونضالاته على الجبهة، وفوق السد العالي، ما يرسم صورته في أعين أجيال لوثت عقولها السوشيال ميديا، التي تعج بمخلفات «إخوان صهيون»، الذين أنفقوا على تشويه صورة عبدالناصر إنفاقَ من لا يخشى الفقر، ورسموه عدوًا، وساموه سوء العذاب في سرديتهم الكاذبة. يكره «إخوان صهيون» في تاريخهم الأسود اثنين لا ثالث لهما: خالد الذكر الزعيم جمال عبدالناصر الذي حل وسطهم، والزعيم الوطني عبد الفتاح السيسي الذي أسقط حكمهم وأطاح بحلم الخلافة الزائف.
فيلم «قادة وأبطال» يقف إجلالًا واحترامًا أمــام تضحـــيات قـادة عظـام؛ الفريق محمد فوزى ، الذي أعاد بناء القوات المسلحة بعد يونيو، واستيقظت الروح الانتصارية في نفوس أبطال القوات المسلحة. الفريق صاحب تعبير «العسكرية الناشفة» ويُعرف بلقب «مهندس بناء الجيش المصري بعد 67، اختاره الرئيس جمال عبد الناصر لإعادة هيكلة القوات المسلحة وقيادة «حرب الاستنزاف»، وهو صاحب كتاب «الإعداد لمعركة التحرير» الذي يوثق تلك المرحلة ، وكان له في الفيلم «الطيب» نصيب.
والفريق الشهيد عبد المنعم رياض ، الذي استشهد على الجبهة وسط رجاله، ويوم استشهاده «9 مارس» بكته العيون، وودعته القلوب، وسكن في الذاكرة الوطنية في يوم الشهيد المصري، الذى ضحى بروحه من أجل وطن عظيم، تخليدًا لذكرى استشهاد الفريق أول البطل عبد المنعم رياض عام 1969م.
وأصحاب الفضل، العظماء، يتقدمهم في الفيلم العميد العتيد « إبراهيم الرفاعي» ، رمز قوات الصاعقة المصرية، قائد المجموعة القتالية (39)، التي سجلت أعظم الانتصارات خلف خطوط العدو في سيناء.
المشير العظيم « أحمد إسماعيل علي « ، قائد القوات المسلحة الباسلة، الذي هزم العدو والسرطان في معركة عظيمة في السادس من أكتوبر، احتفى الفيلم ببطولته، ورسمه في الأعين قائدًا عظيمًا، وهو من أدّى التحية لشعب مصر بعد أن أدّى الأمانة، وأهداهم نصرًا عزيزًا رفع الهامات عاليًا.
التاريخ يكتبه العظماء، والتاريخ لا ينسى الفضل لأصحاب الفضل، وينسب النصر لأهله، وفيلم «قادة وأبطال» ينسب النصر لأبطاله العظماء، للرئيس الشهيد البطل محمد أنور السادات ، بطل الحرب والسلام ، صاحب أعظم القرارات العسكرية المصرية في تاريخها الحديث، يرسمه بطلًا عظيمًا، شاء من شاء، وأبى من أبى، من المؤلفة قلوبهم، ومن عميت أبصارهم، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
والبطل العظيم الفريق سعد الدين الشاذلي ، رئيس أركان نصر أكتوبر المجيد، شاء من شاء، وأبى من أبى، وظُلم الشاذلي كثيرًا من جراء السياسة، ولكنه في الحرب هو من هو، صاحب خطة الحرب والنصر.
ينصف الفيلم الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، الفريق العظيم صاحب «الضربة الجوية» العظيمة، شاء من شاء، وأبى من أبى من الرافضين. التاريخ ، تاريخ مبارك لا يكتبه النشطاء، ولا إخوان الشيطان، يكتبه المؤتمنون على نصر أكتوبر العظيم.
لم يفت الفيلم صورة المشير العظيم محمد عبد الغني الجمسي ، رئيس هيئة العمليات أثناء حرب أكتوبر، ثم وزير الحربية، وعُرف بقدراته الاستراتيجية العالية، وسجل اسمه في موسوعة قادة الحرب التاريخيين. عندما يُذكر طيب الذكر الجمسي، تقف الأكاديميات العسكرية احترامًا لعبقريته العسكرية.
وقف الفيلم احترامًا وإجلالًا أمام صورة المشير العظيم من سلسال العظماء محمد حسين طنطاوي، بطل معركة «المزرعة الصينية»، وسجل اسمه بين قادة أكتوبر العظام. ولم ينسَ الفيلم دور المشير العظيم في قيادة المجلس العسكري في مفصل تاريخي، فعبر بصبر وأناة بالبلاد من مخطط الفوضى والاقتتال الأهلي، وحافظ على الوطن من مخططات لعبة الأمم، وسلم الأمانة إلى أهلها، ورحل راضيًا مرضيًا.
التاريخ يكتبه الأبطال، والتاريخ يكتبه المنتصرون. في بلاد كبلادي يحفظون صور أبطالهم في الحدقات، ويرسمونهم أبطالًا عظماء، شاء من شاء، وأبى من أبى.
وصولًا إلى صورة المشير الرئيس عبد الفتاح السيسى، صاحب العبور الثاني، الذي عبر بمصر من مخطط الفوضى، ولجم الإرهاب، وأزاح الاحتلال الإخواني البغيض. ويوثق الفيلم بيان الثالث من يوليو من العام 2013 م، وينطق الرئيس، وكان وزيرًا للدفاع، بلسان حال الشعب العظيم، ويوفي بالعهد الذي قطعه الأبطال على أنفسهم، وأقسموا صدقًا على حماية البلاد والحدود، وفق إرادة شعب لا يعرف المستحيل، ولا يرتضي بالخلود بديلًا.
حكم التاريخ لا يرتهن بأحكام النشطاء، والنشطاء يتبعهم الغاوون. اشمئناط النشطاء من الاحتفاء بالمجهود الحربي للرئيس مبارك، ومثله كثير من الأبطال في فيلم «قادة وأبطال»، لا يغير من عظمة منجزهم العسكري. بعضٌ من الإنصاف والتواضع أمام التاريخ.
التاريخ يكتبه المؤتمنون، ولا يُكتب بالمزاجية والعشوائية، وقلب الحقائق، وابتسار الأدوار. والموقف السياسي الذي يلون الأحكام التي تصدر بحق قادة وأبطال المحروسة يحمل في طياته خللًا تاريخيًا لا تتحمله الأجيال.
فارق بين الأحكام السياسية، وفيها قولان، والأحكام التاريخية، ولها معيار أخلاقي، ولها ضوابطها، ولا يجوز الخلط بين ما هو سياسي متغير، وبين ما هو عسكري ثابت في يوميات الحرب.
الثابت تاريخيًا أن قادة أكتوبر، في فيلم «قادة وأبطال»، سجلوا منجزًا عسكريًا استثنائيًا، شهدت به كبريات الأكاديميات العسكرية العالمية، ودروسه تُدرَّس في عبقرية الأداء، وغيرت من نظريات عسكرية، وأعادت رسم خرائط المنطقة؛ فما قبل أكتوبر شيء، وما بعده شيء آخر.
تقاليد المؤسسة العسكرية المصرية راسخة، وتعرف منجزات قادتها العظام حق المعرفة، وكل دور محفوظ في سجلاتها التاريخية، وتتحدث بوعي تاريخي، وتخوض معركة الوعي متسلحة بالحقائق على ضفاف القتال، التي شهدت طرفًا من عبقريات قادة أكتوبر العظام؛ منهم من قضى نحبه راضيًا مرضيًا، ومنهم من ينتظر راضيًا مرضيًا.
أتعرفون لماذا يرحل القادة صامتين؟ لأنهم أدوا الأمانات إلى أهلها. رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيع، رحلوا قبل زمن بيع الغالي بالرخيص، وخلط اللبن بالماء، وزعم الأدوار، ورسم أبطال كرتونيين «من ورق» في الفضاء الإلكتروني، استلابًا لأدوار حقيقية، وتضحيات بالأرواح.
حتى الشهادة استُبيحت، واستحلوها بضاعة بثمن بخس، والشهادة في سبيل الله أسمى أمانينا.
اشتغال النشطاء بتأليف التاريخ، وتحريف الحقائق، وليِّ عنقها، والقص واللصق، وخلط الأوراق بين ما هو سياسي وما هو عسكري، والتخليط المتعمد اعتمادًا على الذاكرة السمكية لأجيال وُلدوا في حِجر «مارك زوكربيرج»، مؤسس موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، كل هذا الغثاء الفيسبوكي ينطبق عليه القول القرآني الكريم:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].









