سمعت وعرفت عنه قبل أن أراه.
كان ذلك فى أواخر السبعينيات من القرن الماضى، عندما كنت صحفياً شاباً وكانت الصحف هى وسيلة الإعلام الأساسية لكل الناس فى هذا الزمن، تدخل كل بيت من خلال بائع الصحف الذى يأتى صباحاً يومياً، يدفع بالصحيفة المختارة أو أكثر من تحت أعتاب باب الشقة ليتلقفها أفراد الأسرة، كل يأخذ الصفحتين المتلاصقتين اللتين تحوزان اهتمامه، هذا يختار الرياضة وآخر الفن وذاك السياسة أو الدين ويتبادلون الصفحات فيما بينهم حتى يفرغوا جميعاً من قراءة الصحيفة التى كانت «موبايل» هذه الأيام.. قبل المواقع والتواصل الذى يستحوذ على الاهتمام ومن خلاله يرتبطون بالحياة.
كان من الطبيعى أن يلفت اسمى الذى كان يكتب ببنط صغير «بنط 9» على بعض الأخبار انتباه جارنا المهندس الذى تخرج فى جامعة القاهرة ويكبرنى بنحو 15 عاماً، ليسألنى أنت صحفى فى جريدة الجمهورية؟، هل تعرف الأستاذ صالح إبراهيم؟.. لأجيبه على خجل: بصراحة، لا أعرفه.. فيندهش قائلاً: كيف لا تعرفه؟!، إنه صحفى مشهور بـ «الجمهورية» كان زميلاً لنا فى جامعة القاهرة فى كلية الآداب، وأنا كنت فى كلية الهندسة، ولكن جمعتنا معرفة وصداقة وكان له نشاط طلابى وصحفى ذائع الشهرة بشخصيته اللافتة حتى صار صحفياً معروفاً بجريدة «الجمهورية»، ولكننى لم أره من فترة تقارب الـ 10 سنوات.
وتمضى الأيام والسنون وجارى يقابلنى ليدور بيننا نفس الحوار الذى يثير حيرته، حتى جاءت بداية الثمانينيات وفى عام 1984 على وجه التحديد عندما تولى الأستاذ محفوظ الأنصارى رئاسة تحرير «الجمهورية» وتبدأ بعدها بأشهر قليلة عودة صحفيين كُثر من «الجمهورية» كانوا يعملون بالخارج مثل الأستاذ صالح إبراهيم ود.لطفى ناصف وسيد شحم- رحمهم الله- الأستاذة نجوى فؤاد حفظها الله، الذين بدأوا يتولون رئاسة الأقسام والمهام الصحفية الرئيسية فى الديسك المركزى والتحقيقات والرأى والتعليم، وأسهموا فى الطفرة التى حدثت فى التوزيع فى هذا الوقت وعلموا أجيالاً من المحررين.
>>>
وكم كانت المفاجأة سعيدة بالنسبة لى بمعرفتى السريعة بالأستاذ والمعلم والمهنى القدير الأستاذ صالح إبراهيم، الذى تولى قسم التحقيقات الصحفية فى عهد الأستاذ محفوظ الأنصارى ونائب رئيس التحرير التنفيذى بالديسك المركزى فى عهد الأستاذ سمير رجب.. وقد كان- رحمه الله- بشخصه الإنسانى وروحه الطيبة وأخوته ومحبته للجميع وأنا من بينهم، نِعم الأخ والزميل الكبير الذى توطدت علاقتى به فى العمل ومتابعته لما أقدمه من أخبار ومتابعات صحفية للديسك المركزى من خلال عملى كمحرر لشئون الرئاسة.
كانت شخصيته الأثيرة إلى النفس واضحة، حيث كان يمثل حالة إنسانية وصحفية وحضوراً طاغياً، استطاع من خلاله أن يكتسب محبة وثقة الجميع كباراً وشباباً.
أذكر أنه حضر حفل زفافى فى أواخر الثمانينيات،وكان كثيراً ما يصحبنى فى سيارته الخاصة إلى منزلى لأذكره بجارى الذى ظل يطاردنى سنوات طويلة لكى يسأل عنه، واكتشفت فعلاً أن مثل شخص صالح إبراهيم لا يمكن أن يُنسى مهما طالت السنون.
>>>
توطـــدت العـــلاقة أكثر وأكثر عندما كلفنى الأستاذ سمير رجب بالإشراف على صفحة الرأى فى بداية الألفية الجديدة، ومنذ أكثر من 25 عاماً والأستاذ صالح إبراهيم رغم موقعه الصحفى والقيادى وأستاذيته وقربه بل رئاسته للمطبخ الصحفى وبكل تواضع يحرص على أن يسلم لى مقاله الأسبوعى الذى ينشر بصفحة الرأى يوم الاثنين احتراماً لقواعد العمل ونظامه ويتصل بى قبلها ويسلم على الأقل أربع أو خمس مقالات دفعة واحدة فى احترام لعادات وقواعد صحفية نعلمها ويريد أن يرسيها.. وأيضا فى تأكيد دائم على صلته بالجريدة.. ولم يكن غريباً أن يترك قبل رحيله ست مقالات جاهزة للنشر، بعضها كتبها وهو على فراش المرض قبل رحيله بأيام قليلة، ولعله أملى بعضها لابنته زميلتنا الشابة المجتهدة أمانى صالح الذى حملت لي- على حد وصفها الأمانة- من الكاتب الصحفى الكبير الذى لا يريد أن ينقطع عن مهنته وقارئه حتى بعد وفاته.. وقد تفضل الأستاذ أحمد أيوب رئيس التحرير بتنفيذ وصيته ونشر مقالاته الست تباعاً.
رحم الله الأستاذ صالح إبراهيم، الأستاذ راهب الصحافة الأمين والمعلم الكبير، الذى لم يمنعه مرضه الذى عاناه وطال فترات طويلة عن الانقطاع عن محبوبته «الجمهورية»، وقد كان يقاوم مرضه بالحرص على الوجود بالجريدة وبالعمل بين زملائه وتلاميذه بالديسك المركزى حتى أسابيع قليلة قبل رحيله.. ووداعه والصلاة عليه ببهو «الجمهورية» معشوقته التى شهدت كفاحه المهنى والإنسانى العظيم كقدوة للأجيال الحالية والقادمة.
رحم الله الفقيد الغالى وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.









