من أكثر ما يؤلم كتابة رثاء وكلمات فى وداع عزيز، وعن نفسى لا تسعفنى الكلمات فى هذا المجال للتعبير كما أريد، وبما يفى الشخص بعض حقه أو سرد بعض شمائله ومواقفه، خاصة إذا كانت العشرة طويلة تمتد لأكثر من أربعين عاما مع الأستاذ صالح إبراهيم، الذى فارقنا وسبقنا إلى دار البقاء، لكنه يبقى حيا داخلنا بما ترك فينا وعاش معنا ما ليس من السهل نسيانه ولا أن تتخطاه الأيام.
صالح إبراهيم، حالة إنسانية وصحفية وتجربة فريدة، عشق الصحافة منذ صباه وعمل بالمهنة وهو مازال طالبا بالجامعة، وتعامل مع الرعيل الأول من مؤسسى جريدة الجمهورية، وعاش وعايش كبار الكتاب والأدباء والشعراء الذين تصدروا المشهد الثقافى والصحفى من نهاية الخمسينيات وفى الستينيات، وكان معظمهم ينتمى إلى مدرسة جريدة الجمهورية، كتبوا فيها أو تولوا رئاسة تحريرها على سبيل المثال من طه حسين إلى كامل ومأمون الشناوى حتى نزار قبانى، وابراهيم نوار وحافظ محمود الذى كان يحمل الرقم واحد فى عضوية نقابة الصحفيين، ثم نقيب النقباء كامل زهيرى، وكثيرون لا يتسع المجال لذكرهم.
هؤلاء تلاهم الجيل الذهبى لجريدة الجمهورية من صالح إبراهيم وزملائه، فلم يكن مجرد صحفى فى بلاط صاحبة الجلالة، بل عاشقا لها، سيطرت على مشاعره وتقدمت على كل اهتماماته، فلم أجد له اهتماما يسبق الصحافة فى أى مجال، حتى وهو نائم يحلم بها، فهى معشوقته التى كرس لها حياته، وعمل فى كل فنونها، فكثيرا ما كان يستيقظ من نومه فزعا ليسجل فكرة لتحقيق أو مقال طرأت على رأسه حتى لا يفوتها، وقد كان قارئا قبل أن يكون كاتبا وهذه أهم أدوات الكاتب الجيد، يقرا كثيرا قبل أن يكتب قليلا، لذا كان موسوعة فى معارفه، متمكنا من أدواته.
البعض من الكتاب يكتبون فى أوقات معينة فى مكاتبهم، لكن صالح إبراهيم، كانت طقوسه «الكتابية» فى كل وقت، يكتب فى العمل وفى البيت، ومساء وفجرا، تستولى على اهتمامه المواقف الإنسانية والعلاقات بين الناس، يلتقط الأوتار التى تحرك الأحاسيس، ويعزف عليها بأحلى الأنغام من أعذب الكلمات، بخطه المتناهى الصغر، الذى كان لا يعرف قراءته إلا قليلون جدا ممن اعتادوا عليه، وقد ظللنا سنوات طويلة حتى تمكنا من معرفة وإجادة قراءة كلماته المولودة حديثا بأقلامه «الفلوماستر» الكثيرة التى كان دائما يحمل منها فى يده مجموعة تزيد على النصف دستة، كلها بنفس المواصفات سلسة فى الكتابة رفيعة «السن»، ولا يفرط فى أى منها إلا للعزيز الغالى، فهى أحب الأشياء والمقتنيات إلى نفسه، ومن أراد ان يقدم له هدية ثمينه يأته بعلبة من هذه الأقلام.
وعندما تولى مسئولية إصدار جريدة الجمهمورية، يخرج العدد من تحت يديه يحمل صفاته، الصفحة الأولى مكتظة بالأخبار المهمة التى تهم قطاعا عريضا من الناس، وصفحات ثرية، فى شتى المجالات، فكان مدرسة صحفية «وحده» فى أشد حالات الحرص على التميز، يتحرك مثل النحلة، قلوق على جودة العمل مما يجعله أحيانا تنتابه بعض العصبية لكن يحرص على عدم التجاوز مع الآخرين، الذين يهتم بتعليمهم وتدريبهم على أداء العمل بأفضل شكل، وأظن أن كل من تعامل معه تعلم منه شيئا بل أشياء، سواء من أمور الحياة أو الصحافة، التى لم يمنعه عنها المرض ولا الحوادث التى تعرض لها وأصيب بكسور مضاعفة أكثر من مرة، يتخطى ذلك ويتعامل معه على أنه «عادى» لا يمنعه من العمل الذى أحبه ويجد فيه سلواه.
حب الأهلى ومنتخب مصر كان يسرى فى عروقه، فلا يستطيع أن يشاهد مباراة لأى منهما مهما كانت، فيقضى وقت المباراة فى غرفة مغلقة يقرأ القرآن ويدعو بالفوز، ولا أعرف له سعادة أكثر من سعادته بفوز الأهلى أو المنتخب، وعلى لسانه كلمات يرددها فى كل الأوقات تلقائيا «يا حبيتى يا مصر».
الكلام عن صالح إبراهيم كثير والذكريات أكثر لا يتسع المجال لذكرها، رحمه الله رحمة واسعة.









