هذا السؤال لم يُطرح ليُجاب عليه، بل أطرحه لإيقاظ الضمائر الغافلة والمتغافلة والتى تغط فى نوم عميق أما تلك الضمائر التى ماتت فالأموات لا يستيقظون، سيظل هذا السؤال يلاحقنى بصورته البسيطة وعمقه المزلزل: من يصلح الملح إذا الملح فسد؟ إن أكثر ما يقلقنى على المجتمع المصرى ومستقبل هذه الأمة هو ذلك الانحراف الخفى عن البوصلة، أو ذلك الضياع المقلق للقبلة. فالقبلة لا تختفى من تلقاء نفسها، والبوصلة لا تتبدل بحكم الزمن، لكن بعض الذين يحملونها هم الذين يتغيرون، قد ينحرفون، أو يتخلّون عن رسالتهم. وما أشد الألم حين يفسد من كان دوره الإصلاح، أو يعوجّ من كانت مهمته نشر الاستقامة. فكيف يكون الحال إذا سرق من وُكِّل بحماية المال العام، أو تكبّر من عُهِد إليه أن يعلّم الناس التواضع؟
وفى مثل هذه اللحظات يتردد فى ذاكرتى قول سفيان الثوري: «يا رجال العلم يا ملح البلد، من يصلح الملح إذا الملح فسد؟» فالسؤال ليس لغزًا، بل صرخة تستنكر مصير المجتمع إن فسد من يُنتظر منه الإصلاح، فكيف نحفظ الطعام إذا فسد الملح الذى يحفظه؟
>>>
إن مواجهة الانحرافات عن البوصلة والقبلة أمر بات واجبا، ومواجهة محاولات هدم جدران المشروع الوطنى المصرى أو تعطيله أو تشويهه أو التشكيك فيه باتت فرضا وطنيا على الجميع، بيد أن الأهم والأخطر من مواجهة حالات الفساد أو الانحراف التى يتورط فيها البعض هى «انحراف الفكرة» وخروجها من مساراتها وسياقتها المرسومة تحت ذرائع ومبررات غير منطقية ولا تصب إلا فى مصالح شخصية شديدة الضيق، هناك أفكار كبرى ومشروعات عظيمة تحتاج إلى كوادر وكفاءات كبيرة ومسئولة ومجردة ومخلصة، فلا يعقل أن تسند المهام الكبرى إلى صغار لايجيدون إلا التمدد فى فراغ تفاهتهم.
>>>
كتبت هنا من قبل عن الحمقى والأغبياء والمتضخمين فى الفراغ وأصحاب الحقائب المنتفخة بأوراق بيضاء من الجانبين والذين يختبؤون فى مكاتبهم يعطلون المراكب السائرة، كتبت هنا عن المبدعين والموهوبين وأصحاب القدرات الذين يتم إقصاؤهم عقابًا لهم على تفوقهم ونباهتهم، كتبت أيضا عن الممتعضين والاناماليين أصحاب نظرية «أنا مالى» و«الماليشيين» أصحاب نظرية «مليش دعوة» كتبت أيضا عن الفساد والمفسدين الذين ترعرعوا فى وادينا الطيب وتحولوا إلى حيتان حقيقية تهدد السلم المجتمعى وتضرب قواعد تكافؤ الفرص والمنافسة الكاملة فى مقتل، تحدثت عن تفعيل قانون من أين لك هذا؟ وتعديله ليكون «من أين لك كل هذا؟».
>>>
لكل ما سبق استقبلت تكليفات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى يوم افتتاح مقر القيادة الإستراتيجية خاصة ذلك التكليف الخاص بمواجهة الفساد استقبالا مغايرا، بيد أن الرئيس أعلن الحرب على الفساد بآليات حاسمة حازمة، يقول فخامة الرئيس فى البند السادس من باب «التكليفات الرئاسية» قيام كافة أجهزة الدولة المعنية، باتخاذ إجراءات «أكثر حسما» فى مواجهة الفساد بكافة صوره، وتعزيز منظومة الحوكمة والشفافية والمساءلة، والتوسع فى التحول الرقمى بما يضمن حماية المال العام، وترسيخ مبادئ النزاهة والكفاءة فى مؤسسات الدولة، أرجو من أجهزة الدولة المعنية التى كلفها الرئيس أن تبدأ فورًا فى فتح الملفات المتعلقة بمواجهة الفساد وبسرعة وبشكل معلن حتى يرتدع الجميع، ليكن عام 2026 عام اقتلاع الفساد من جذوره وإزالة مسبباته لتقليل آثاره الضارة على جميع المستويات.









