أول أمس، الأحد، كنا بإزاء خبرين حول قضية واحدة.. الأول فى إحدى قرى، أو نجوع، محافظة قنا، حيث وقعت مشاجرة بين سيدتين بسبب لعب الأطفال، وهي واحدة من المشاجرات التى تقع يوميًا مئات المرات، ثم تُفَضّ تلقائيًا، وبعد ساعات تعود الأمور إلى مجاريها بين الأطفال، وبين الأمهات أيضًا، لكن الجارتين فى قنا تواصلتا في الشجار بينهما، وكان لديهما فائض من الطاقة، وربما فائض من الغضب والكراهية، لذا قررتا أن تكملا “الشجار” فى الغد، ومع احتدام النقاش، دخلت إحداهما منزلها وعادت وفى يدها بندقية آلية محشوة بالذخيرة، و”داست” الزناد، فردت الجارة بالمثل، وسقطت فى المعركة سيدة جريحة، وقُتلت اثنتان، وقُبض على إحدى السيدتين، وفرّت الثانية، ثم تمكن رجال الشرطة من إلقاء القبض عليها.
لا داعى الآن للسؤال عن السلاح الجاهز بالذخيرة داخل كل بيت، فضلًا عن أن كلتيهما ميسور لها اللجوء إليه واستعماله، وأن كلتيهما مدربة على استخدامه، والسلاح فى البيت لم يعد للرجل وحده، وصار متاحًا للجميع؛ أمام الطفل والسيدة أيضًا، وبات من حق كل أفراد الأسرة.
وفي الإسكندرية، وفى الوقت نفسه تقريبًا، كانت هناك ورشة عمل نظمها المجلس القومى للمرأة، بالتعاون مع مركز الدراسات القضائية، ووزارة العدل أيضًا، لمناقشة العنف ضد المرأة.
حادث قنا شغل المعلقين والرأى العام، ولولا الانشغال العام بالمنتخب الوطنى وأدائه المبهر فى المونديال، لانتقل الاهتمام بالحادث إلى البرلمان، وصار شاغل برامج الثرثرة الإعلامية، وحديث “التوك شو”.
بالتأكيد فوجئ الكثيرون بأن شجارًا بين سيدتين ينتهى باستعمال السلاح الآلى، ذلك أن ثقافتنا العامة وضعت المرأة فى خانة أن تكون محرضة على العنف، أو لنقل: توسوس به، لكنها لا تمارسه، وغالبًا تكون ضحية للعنف، لكنها لا تمارسه.

كان الراحل د. سيد عويس يردد دائمًا أن عادة الأخذ بالثأر سببها وسوسة الأم، أو الجدة، أو العمة، للأبناء ورجال العائلة بضرورة الثأر، فالشرف عندها، والرجولة أيضًا، فى ضرورة الأخذ بالثأر، وكان رأيُ د. عويس، رحمه الله، أن مواجهة ظاهرة الثأر تبدأ بتغيير وعي المرأة وثقافتها.. وللعلم فقط، فإن ظاهرة الثأر موجودة فى الوجه البحرى أيضًا، وليست خاصة بالصعيد، كما تُصِرُّ الأعمال الدرامية، ففى إحدى الإحصائيات احتلت محافظة الدقهلية المرتبة الأولى فى هذه الظاهرة.. وعلى غرار د. سيد عويس، سارت مدرسة بأكملها من علماء الاجتماع وخبرائه فى أن المرأة هى المحرك للثأر.. وفى كثير من الأعمال الدرامية، لا تقدم المرأة بسهولة على الجريمة، لكنها قد تحرض على الشر، وتثير لدى أبنائها أو رجال الأسرة مشاعر الغضب والغَلّ تجاه من تعدهم خصومًا، وهكذا كانت فى المسلسل الناجح الذى قدمه الراحل العظيم أسامة أنور عكاشة “الشهد والدموع”، حتى إنني اقترحت عليه استبدال العنوان ليصبح “حقد زينب ودولت”.
وأقصى تصور للعنف لدى المرأة أن ينتهى بمعركة “شد الشَعْرِ” والردح، على طريقة فيلم “شارع الحب”، وحتى فى المعالجة الدرامية لقضية “ريا وسكينة”، اقتصر دور الأختين على مساعدة حسب الله وعبد العال في اصطياد الضحايا واستدراجهن إلى موقع الخنق، خلف قسم اللبان بالإسكندرية، سنة 1921.
لا يعنى ذلك أن المرأة كانت مبرأة تمامًا، لكن التصور العام لجريمة المرأة انحصر فى قضايا الآداب، أو النشل، من جراء الفقر المدقع وذل الاحتياج، وهى جرائم تكون مصحوبة بالإشفاق على فاعلتها والتعاطف معها.. لكن الجديد الآن هو أن تمارس سيدة العنف، حتى لو كان باستعمال السلاح النارى، حادث النجع فى قنا قد يكون جديدًا في استعمال المرأة البندقية الآلية، لكن ممارسة العنف ليست جديدة.
أمام مدرسة بنات بالمعادي وقعت، العام قبل الماضي، مشاجرة بين تلميذات استعملن فيها “الْكَاتِر” و”الموس”، وتكرر ذلك المشهد عديدًا من المرات فى مدارس أخرى للبنات، فى أحياء راقية بالقاهرة والإسكندرية.
بعيدًا عن الجوانب والقضايا الاجتماعية، استعانت بعض الجماعات اليسارية المسلحة، حول العالم، فى الستينيات وحتى مطلع السبعينيات، بفتيات وسيدات “مناضلات” للقيام بأعمال فدائية نصرةً للقضايا التى يؤمنّ بها، لكن الظاهرة انحسرت سريعًا بانحسار اليسار التقليدى.
وتوسعت الجماعات الإرهابية، خاصة جماعة حسن البنا وتفريعاتها، مثل داعش، فى تجنيد الفتيات واستعمالهن فى جرائم الاغتيالات والتفجير بالأحزمة الناسفة، وهل نتذكر سيدة كرداسة التى سقت ضابط الشرطة ماء النار، وهو يغالب سكرات الموت؟ وبرعت هذه الجماعات فى استغلال النساء وتوظيفهن؛ مرة بدفعهن فى مقدمة المظاهرات، منعًا لرجال الأمن من أى اقتراب، وإذا اقتربوا فهى الفضيحة الكبرى: المساس بالحرائر، والاعتداء على الأخوات، وحتى حينما أرادوا إدانة الزعيم جمال عبد الناصر، أَلَّفُوا كتابًا مليئًا بالأكاذيب، ثم وضعوا عليه اسم سيدة لم تكن تعلم عنه شيئًا، وبعد سنوات كشف المؤلف المجهول عن نفسه، ثم تطور التوظيف بعد ذلك إلى جوانب أخرى عديدة، لا تسمح هذه المساحة بسرد بعضها.
من حسن الحظ أن لدينا بعض الدراسات حول هذه النماذج، واستراتيجيات الجماعات في الاستعانة بالأخوات والحرائر، لكننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الدراسات حول هذا الملف الشائك والملغوم، كما أن بعض الملفات بحاجة إلى أن تُفتح، وبعض الوقائع يجب أن تُكشف، للتأريخ، وتنبيهًا للأجيال القادمة. … فى الجانب الاجتماعى، ومع خروج المرأة إلى المجال العام، يجب أن يكون متوقعًا أن ينعكس ذلك على نفسية المرأة وسلوكها، بما في ذلك ممارسة العنف، ناهيك عن أعمال العنف التي توصف بالتقليدية أو النسائية. … سوف نلاحظ، في جريمة النجع هذا الأسبوع، أن عنف المرأة يكون في مواجهة امرأة أخرى، وكذلك الحال في بعض جرائم العنف في مدارس البنات.
ومعظم الجرائم تكون من سيدة نحو أخرى، بينما فى مجتمعات أخرى، مثل الهند أو تركيا، لا يكون الأمر كذلك دائمًا. … يمكن أن نلاحظ كذلك تطورًا في تلك الجرائم بمجتمعنا. فمن قبل، كانت التلميذة تصارح أسرتها بما يضايقها في المدرسة، حتى لو كان من زميلة لها، وكانت الزوجة إذا تعرضت لمشكلة ما، وتأزمت الأمور، فإنها تلجأ إلى الزوج، أو الأخ، وربما الأخت أو الصديقة، للتشاور وحل المشكلات بهدوء، أو بالعتاب، وربما بالخصام والصمت. أما الآن فلا تعود إلى أحد من الكبار، وإنما تبادر بنفسها إلى الفعل وإنهاء الموقف بما تراه هي، وغالبًا يكون الرد حادًا وعنيفًا، كما تابعنا هذا الأسبوع، ومن قبل في حالات عديدة.. وانتقلت المرأة من خانة “الحرمة” الساكنة والمستكينة إلى دائرة الفعل العنيف جدًا.
دعونا الآن من رؤى المتشائمين، واعتبار ذلك نهاية الدنيا وعلامات قيام الساعة، وأن الدنيا لم يعد فيها أي خير، ولنتغاضَ عن الرأي الذي يذهب إلى شيطنة المرأة، واعتبارها مصدر شرور العالم، أو التباكي على زمن “الست الكُمَّل”، التي لم يكن لها صوت مسموع، ولا ترى الشمس وجهها أبدًا، ولا تخرج من بيتها إلا للضرورة القصوى، التي لا تحدث في العمر إلا مرة أو مرتين. رحم الله “أمينة”، بطلة روائع نجيب محفوظ “بين القصرين”.
نحن فى مجتمع ينمو ويتطور بسرعة، ومع هذا التطور تقع بعض الحالات الاجتماعية، وربما تنشأ ظواهر جديدة لم تكن موجودة من قبل، تستحق التأمل والدراسة العلمية والعملية، وليس فقط جرائم العنف التي ترتكبها المرأة، بل مستوى العنف الفردى فى المجتمع كله؛ أطفالًا، وشبابًا، وشيوخًا.
هل نتذكر جريمة صبى الإسماعيلية، العام الماضى، الذى سرق زميله، ثم استدرجه إلى المنزل، وقتله، ثم مزق جسده بالمنشار؟ وهناك أيضًا جرائم بعض أفراد النخبة؛ القاضى الذى قتل ودفن زوجته المذيعة التلفزيونية، وذلك الذى أطلق الرصاص على طليقته.
إن مستوى العنف في المجتمع كله يحتاج إلى الدرس والبحث، وهذا ما نتوقعه من الجهات المعنية، بدءًا من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الذي يضم خيرة خبراء وعلماء الاجتماع، فضلًا عن وجود باحثة متميزة على رأسه، هي الدكتورة هالة رمضان، ولدينا كذلك المجلس القومي للمرأة، فضلًا عن أقسام الاجتماع بمختلف الجامعات.









