الخبراء: توجيهات الرئيس خارطة طريق للارتقاء بمستوى حياة المواطنين
لم يعد هدف «الجمهورية الجديدة» العبور من الأزمات والحفاظ على الاستقرار فحسب، بل ارتقت الطموحات إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على الانطلاق والنمو المستدام، فبعد أن خاضت الدولة معركة الاصلاحات، والتى بدأت عام 2016 بالتعاون مع برنامج صندوق النقد الدولى، جاءت اللحظة الحاسمة فى الإعلان عن الاستعداد لدخول مرحلة جديدة أساسها الانتاج والاستثمار والتنافسية، ومستهدفاتها تحسين مستوى معيشة الفرد، وخفض الأعباء المعيشية، واستقرار الأسعار، وخلق فرص العمل.
لذلك كان توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى بإعداد برنامج اقتصادى وطنى شامل، يمثل خارطة طريق للانتقال من مرحلة تثبيت الاستقرار الاقتصادي، إلى مرحلة الانطلاق وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، بما ينعكس مباشرة على معيشة المواطن، وتحسين جودة الحياة، واستقرار الأسعار، وتعزيز دور القطاع الخاص فى قيادة التنمية والنمو.
ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه التوجيهات الرئاسية تمثل تحولا إستراتيجيا فى فلسفة إدارة الاقتصاد المصري، حيث تنتقل الدولة من إدارة الأزمات والتعامل مع التداعيات إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية وإنتاجية يعتمد على الاستثمار والتصدير والصناعة.
بنية تحتية غير مسبوقة
يؤكد الدكتور حسن الشقطي، عميد كلية التجارة بجامعة أسوان، أن السنوات الماضية مثلت مرحلة «تثبيت الاستقرار»، وكانت بمثابة عملية جراحية للاقتصاد المصرى استهدفت معالجة الاختلالات الهيكلية وبناء قواعد الدولة الحديثة.
وأوضح أن الدولة نجحت خلال تلك المرحلة فى إنشاء بنية تحتية غير مسبوقة شملت الطرق والمحاور والموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات، وهى استثمارات تمثل الوعاء الاقتصادى اللازم لأى انطلاقة تنموية، إذ أسهمت فى خفض تكلفة ممارسة الأعمال وجذب الاستثمارات.
وأضاف أن الدولة لم تكتف بالبنية الأساسية، بل نفذت إصلاحات تشريعية ورقمية واسعة، أبرزها التحول الرقمى والفاتورة الإلكترونية، بما عزز كفاءة النظام الضريبى ورفع مستويات الشفافية، ومنح الحكومة قدرة أكبر على التخطيط وإدارة الموارد.
وأشار إلى أن أحد أهم إنجازات المرحلة السابقة تمثل فى تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادى وبرامج الحماية الاجتماعية، حيث تزامنت إجراءات إعادة هيكلة الدعم مع توسع برامج الحماية، الأمر الذى حافظ على الاستقرار المجتمعى أثناء تنفيذ إصلاحات اقتصادية صعبة.
ويرى الشقطى أن توجيه الرئيس بإعداد برنامج اقتصادى وطنى جديد يعكس إدراكًا بأن أدوات تثبيت الاستقرار حققت أهدافها، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أدوات مختلفة قادرة على صناعة النمو.
وتابع أن جوهر المرحلة الجديدة يتمثل فى تمكين القطاع الخاص، من خلال الإسراع فى تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، بما ينقل الدولة تدريجيًا من دور المستثمر إلى دور المنظم، وهو ما يفتح المجال أمام المنافسة، ويؤدى إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار وتعزيز الكفاءة الاقتصادية.
وأضاف أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب الاعتماد بصورة أكبر على آليات السوق، وتعزيز بيئة المنافسة، ورفع ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، إلى جانب التحول نحو اقتصاد يقوده الإنتاج والتصدير بدلاً من الاعتماد على الاستهلاك.
وأوضح أن تحقيق معدلات نمو تتجاوز 6 ٪ لن يكون ممكنًا إلا عبر التوسع الصناعي، وزيادة الصادرات، وتعميق التصنيع المحلي، بما يخلق فرص عمل مستدامة ويرفع القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
وقال: «لقد انتهت مرحلة بناء الأساسات، وأصبحنا أمام مرحلة تشييد القلاع الإنتاجية، حيث تمثل التوجيهات الرئاسية إعلانًا بالانتقال من مرحلة الاستثناءات والإجراءات الطارئة إلى مرحلة القواعد الاقتصادية المستقرة، بما يعيد رسم خريطة مصر كمركز إقليمى للصناعة والخدمات اللوجستية.»
ويرى الدكتورمحمد باغة استاذ الاقتصاد والاستثمار أن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى بالإسراع فى إعداد برنامج اقتصادى وطنى يمثل نقطة تحول فى مسار إدارة الاقتصاد المصرى، ويعكس إدراكًا بأن الاقتصاد يدخل مرحلة جديدة تختلف فى أولوياتها عن المرحلة السابقة، بعدما نجحت الدولة فى تحقيق قدر كبير من الاستقرار الاقتصادى ومواجهة تحديات استثنائية.
وأوضح أن مرحلة تثبيت الاستقرار كانت ضرورة فرضتها الظروف، لكنها بطبيعتها مرحلة انتقالية لا يمكن أن تظل هدفًا دائمًا، لأن نجاح الاقتصادات لا يُقاس فقط بقدرتها على الصمود فى مواجهة الأزمات، وإنما بقدرتها على تحقيق نمو اقتصادى مستدام ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تقتضى تحولًا فى فلسفة إدارة الاقتصاد، من التركيز على إدارة الأزمات إلى إدارة النمو، ومن الاهتمام بالمؤشرات الاقتصادية الكلية وحدها إلى التركيز أيضًا على المؤشرات التى تمس حياة المواطن بشكل مباشر، مثل جودة فرص العمل، وزيادة الدخول الحقيقية، وتحسين الإنتاجية، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد.
وأكد أن البرنامج الاقتصادى الوطنى المنتظر يجب ألا يقتصر على مجموعة من الإجراءات المالية أو النقدية، وإنما ينبغى أن يكون رؤية تنموية متكاملة تربط بين السياسات الصناعية والاستثمارية، والتعليم والابتكار، والتشغيل، والتجارة الخارجية، بحيث تعمل جميعها فى إطار إستراتيجية واحدة تستهدف بناء اقتصاد إنتاجى يعتمد على المعرفة والقيمة المضافة.
وأشار إلى أن نجاح البرنامج يرتبط كذلك بإعادة ترتيب أولويات الاستثمار، من خلال توجيه مزيد من الموارد إلى القطاعات الإنتاجية، وفى مقدمتها الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة، باعتبارها الأكثر قدرة على خلق فرص عمل مستدامة، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، بما يدعم استقرار سوق النقد الأجنبى ويعزز قوة الاقتصاد الوطني.
وشدد على أن نجاح أى برنامج اقتصادى لا يتوقف على جودة تصميمه فقط، وإنما على كفاءة تنفيذه، وهو ما يتطلب حوكمة فعالة، ومؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، وآليات متابعة وتقييم ومساءلة، إلى جانب قدر كبير من الشفافية فى إعلان المستهدفات والنتائج، بما يعزز ثقة المجتمع ويجعله شريكًا فى متابعة مسار الإصلاح.
ولفت إلى أن وصف البرنامج بأنه «وطني» يجب أن يترجم إلى مشاركة واسعة من مختلف الأطراف، تشمل الجامعات، ومراكز البحوث، والقطاع الخاص، واتحادات الصناعات، والغرف التجارية، والنقابات المهنية، بما يضمن صياغة رؤية اقتصادية تعبر عن أولويات الدولة وتستفيد من الخبرات الوطنية.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، أن توجيهات الرئيس بإعداد برنامج اقتصادى وطنى شامل تحمل رسائل اقتصادية عميقة، لأنها تعلن عمليًا دخول مصر مرحلة «ما بعد برامج صندوق النقد الدولى».
وأوضح أن برامج الإصلاح التى بدأت منذ عام 2016 ركزت على استعادة الاستقرار الاقتصادى الكلي، من خلال تحرير سعر الصرف، وإصلاح منظومة الدعم، وضبط المالية العامة، وهى إجراءات كانت ضرورية لإعادة التوازن للاقتصاد، لكنها لم تكن تستهدف بصورة مباشرة تحقيق معدلات نمو مرتفعة أو تحسين مستوى المعيشة، كما تحمل المواطن جانبًا كبيرًا من تكلفتها.
وأشار إلى أن البرنامج الوطنى الجديد، المتوقع إطلاقه بعد انتهاء برنامج التعاون مع صندوق النقد فى نوفمبر 2026، يمثل انتقالًا إلى مرحلة مختلفة، يصبح فيها الإصلاح الاقتصادى نابعًا من احتياجات الاقتصاد المصرى وأولوياته الوطنية، وليس فقط استجابة لاشتراطات المؤسسات الدولية.
وأكد أن هذا التحول يعزز مفهوم «الملكية الوطنية للإصلاح»، وهو أحد أهم أسباب نجاح التجارب الاقتصادية العالمية، لأنه يضمن استمرار الإصلاحات وفق رؤية الدولة المصرية.
المواطن معيار النجاح
وأوضح السيد أن التغيير الحقيقى فى المرحلة المقبلة يتمثل فى اختلاف مؤشرات النجاح، فبدلاً من الاقتصار على استقرار سعر الصرف أو انخفاض معدلات التضخم، سيكون المعيار الأساسى هو مدى تحسن مستوى معيشة المواطن، وارتفاع الإنتاجية، وزيادة التنافسية، وخلق فرص العمل.
وأضاف أن الحكومة ستكون مطالبة بتحويل النمو الاقتصادى إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن فى حياته اليومية، سواء من خلال استقرار الأسعار، أو زيادة الدخول، أو تحسين الخدمات، أو توفير فرص عمل جديدة.
وأكد أن الرئيس السيسى لم يتحدث عن استمرار برنامج تخارج الدولة فقط، وإنما طالب بالإسراع فى تنفيذ المرحلة التالية من وثيقة سياسة ملكية الدولة، بما يسمح للقطاع الخاص بقيادة الأنشطة الاقتصادية التى يمتلك فيها كفاءة أعلي، بينما تركز الدولة على التخطيط والتنظيم والاستثمار فى البنية الأساسية والخدمات العامة.
وأوضح أن هذه الرؤية تعزز ثقة المستثمرين، وترفع معدلات الاستثمار المحلى والأجنبي، وتزيد الصادرات، وتخفض البطالة، وتدعم تحقيق نمو اقتصادى مستدام.









