أنشر مقالى ليلًا، فيقرأه، ثم يعلق عليه على مواقع التواصل الاجتماعي. وفى الصباح أذهب إليه لأسمع رأيه، لا لأبحث عن مجاملة، ولكن لأعرف كيف يمكن أن تصبح الفكرة أوضح، والجملة أبسط، والحكاية أقرب إلى الناس.
وفى يوم لن أنساه ما حييت، قال لي: «أنت حكّاء ممتاز… استمر فى هذه الطريقة فى الكتابة، فأنت مبدع فيها.»
لم أنم تلك الليلة من الفرحة. أعرف قيمة هذه الشهادة لأنها جاءت من رجل لم يكن يجامل أحدًا، ولم يكن يمنح كلمة ثناء إلا إذا كان مقتنعًا بها.
سألته بعدها: يا عم صالح، كيف تكتب فى السياسة وكأنك عشت دهاليزها، وتكتب فى الفن وكأنك ناقد قضى عمره بين الفنانين، وتكتب فى الرياضة فننتظر مقالك بعد كل مباراة؟ ثم أضفت مازحًا: حتى أسباب خسارة الأهلي.
بمجرد أن خرجت الجملة من فمي، تركت مكانى وهربت. أعرف جيدًا عشقه للأهلي، وأعرف أيضًا أن هذه الكلمة قد تفسد الجلسة كلها. عدت بعد دقائق، فوجدته يضحك. سامحنى كعادته، ثم قال جملة أصبحت دستورًا بالنسبة لي: «القراءة… لا تترك الكتاب يا معتز، مهما كبرت فى السن، أو شعرت أنك تعرف كل شيء.»
هذه الجملة لم تكن نصيحة عابرة، كانت أسلوب حياة كان يقرأ كل يوم، ولا يتعامل مع نفسه باعتباره وصل إلى النهاية. لذلك ظل قادرًا على الكتابة فى كل شيء؛ السياسة، والفن، والرياضة، والمجتمع، بنفس العمق والبساطة.
ولم تكن علاقتنا كلها مقالات ونقاشات. كم جلسنا حول «حاجة حلوة» كان يحضرها من منزله، ويصر أن نتذوقها قبل أن يبدأ الكلام كان يحب أن يجمع تلاميذه، ويعاملهم كأبنائه، لا كصحفيين أصغر منه سنًا وخبرة.
وكنا، نحن الأشقياء، نتعمد أحيانًا أن نفتح سيرة الزمالك. كان يضيق بهذا الحديث، ويطلب منا أن نغير الموضوع، ثم بعد دقائق يعود يبتسم وكأن شيئًا لم يكن. كانت هذه المشاكسات جزءًا من جمال الجلسات، وجزءًا من إنسانيته التى أحببناها جميعًا.
تعلمت منه أن الكاتب لا يصنعه القلم وحده، بل تصنعه المكتبة. وأن المقال الجيد يبدأ من كتاب، لا من لوحة مفاتيح. وكان يقول دائمًا إن أخطر لحظة فى عمر الكاتب هى أن يظن أنه لم يعد فى حاجة إلى القراءة.
أمس، جلست أنتظر مقاله على صفحته بـ«الفيس بوك» عن مباراة منتخب مصر، وصعوده إلى دور الـ16. كنت أريد أن أعرف كيف سيقرأ المباراة، وماذا سيكتب عن محمد هاني، وما هى الزاوية التى سيراها ولا يراها غيره.
انتظرت…
ثم تذكرت أنه رحل..
لن أجد تعليقه، ولن أذهب إليه فى الصباح لأسمع ملاحظاته، ولن أسمع ضحكته عندما نمزح معه بشأن الأهلى أو الزمالك.
رحل الأستاذ، لكن بقيت المدرسة.
وبقيت كلمته التى أسمعها كلما أمسكت القلم: «لا تترك الكتاب».
رحم الله الكاتب الصحفى صالح إبراهيم لم يكن مجرد صحفى كبير، بل كان معلمًا حقيقيًا، يعرف كيف يكتشف الموهبة، وكيف يشجعها، وكيف يترك فى كل تلميذ أثرًا يبقى بعد الرحيل.
هناك أشخاص يغادرون الدنيا، لكنهم لا يغادرون تفاصيل أيامنا كلما كتبت مقالًا، أو فتحت كتابًا، أو تذكرت جلسة جمعتنا حول قطعة حلوى أحضرها من بيته، أدركت أن بعض المعلمين لا تنتهى رسالتهم بالموت.
رحمك الله يا عم صالح.. وغفر لك، وجعل كل كلمة علمتها لتلاميذك صدقة جارية فى ميزان حسناتك.









