لم تكن بداية بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 بالولايات المتحدة والمكسيك وكندا وحدها ما وضع المنتخب الفرنسي في صدارة المرشحين للتتويج باللقب، بل إن سلسلة من المصادفات التاريخية أعادت إلى الأذهان سيناريو مونديال 1998، الذي استضافته فرنسا وتوجت بلقبه للمرة الأولى في تاريخها بعد الفوز على البرازيل في النهائي.
ومنذ إجراء القرعة، بدأت المقارنات بين النسختين تتوالى، فقد أوقعت القرعة منتخب البرازيل في المجموعة نفسها مع اسكتلندا والمغرب، وهو ثلاثي سبق أن اجتمع أيضا في المجموعة الأولى من مونديال 1998، إلى جانب النرويج.
أما المنتخب الفرنسي، فقد وجد نفسه في مونديال 2026 ضمن مجموعة ضمت السنغال والعراق والنرويج، في حين لعب في نسخة 1998 ضمن مجموعة ضمت السعودية وجنوب إفريقيا والدنمارك، ورغم اختلاف المنتخبات، فإن القاسم المشترك يبقى لافتا، إذ واجه «الديوك» في المناسبتين منتخبا أفريقيا، وآخر عربيا، وثالثا أوروبيا، وهو تشابه أثار اهتمام المتابعين.
وزادت هذه المصادفات حضورا مع تقدم البطولة، حتى بدأ البعض يتساءل عما إذا كانت نسخة 2026 تعيد بالفعل إنتاج ملامح الطريق الذي قاد فرنسا إلى لقبها الأول عام 1998، وهذه المرة نحو لقب ثالث بقيادة الجيل الحالي.
من أبرز أوجه التشابه أن فرنسا لم تحقق العلامة الكاملة في دور المجموعات في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم سوى في مونديال 1998، قبل أن تكرر الإنجاز في نسخة 2026.
وفي النسخة الحالية، حقق المنتخب الفرنسي ثلاثة انتصارات متتالية حيث فاز 3/1 على السنغال، و3/صفر على العراق، و4/1 على النرويج.
أما في مونديال 1998، فقد استهل منتخب فرنسا مشواره بالفوز 3/صفر على جنوب إفريقيا، ثم السعودية 4/صفر، قبل أن يتغلب 2/1 على الدنمارك.
ولم يقتصر التشابه على عدد الانتصارات، بل امتد إلى الحصيلة التهديفية أيضا، ففي نسخة 1998 سجل المنتخب الفرنسي 9 أهداف واستقبل هدفا واحدا، لينهي الدور الأول بفارق أهداف (+8)، وفي مونديال 2026 سجل 10 أهداف وتلقى هدفين، محققا فارق الأهداف نفسه (+8).
ومن المصادفات الأخرى أن المنتخب البرازيلي أنهى دور المجموعات متصدرا في مونديال 1998، وهو ما تكرر أيضا في نسخة 2026، الأمر الذي يمنح «راقص السامبا» بدوره قدرا من التفاؤل باستعادة سيناريو النسخة التي بلغوا فيها النهائي.
إعادة مشاهدة قديمة
ازدادت المقارنات بعد اكتمال مواجهات دور الـ16، إذ أوقعت القرعة فرنسا في مواجهة باراجواي، تماما كما حدث في مونديال 1998، في واحدة من أكثر المصادفات إثارة بين النسختين.
وفي ذلك المونديال، اصطدم رفاق زين الدين زيدان بمنتخب باراجواي بقيادة الحارس الأسطوري خوسيه لويس تشيلافيرت، وظلت المباراة متعادلة حتى الدقيقة 115، عندما سجل لوران بلان هدف الفوز الذهبي الذي منح فرنسا بطاقة العبور إلى دور الثمانية، حيث واجهت إيطاليا.
وتكرر المشهد في مونديال 2026، إذ التقت فرنسا بباراجواي في الدور ذاته على ملعب فيلادلفيا، وكان الفوز من نصيب فرنسا بهدف نظيف، وهي نفس نتيجة الدور ذاته بمونديال 1998.
وسجل كيليان مبابي الهدف الوحيد لفرنسا، التي ستواجه المغرب في دور الثمانية للمونديال.
ويعتبر فوز فرنسا 1/صفر على باراجواي، مؤشرا كبيرا وداعما لفكرة التفاؤل الفرنسي واستمرارا لسلسلة الصدف الغريبة للغاية في التشابهات بين النسختين.
ومن جهتها، واجهت البرازيل في مونديال 1998 وصيف مجموعة فرنسا، وهو منتخب الدنمارك، في دور الثمانية، بينما ستلتقي في نسخة 2026 وصيف مجموعة فرنسا أيضا، وهو منتخب النرويج، لكن في دور الـ16.
طريق النهائى
من المصادفات اللافتة أيضا أن مسارى فرنسا والبرازيل في مونديال 1998 كانا منفصلين بالكامل، بحيث لم يكن ممكنا أن يلتقيا إلا في المباراة النهائية، وهو ما تحقق بالفعل في نهائي 12 يوليو 1998 على ملعب فرنسا الدولي.
وكانت البرازيل مرشحة أيضا لمواجهة الأرجنتين في قبل النهائي، لكن (راقص التانجو) ودعوا البطولة من دور الثمانية بعد الخسارة أمام هولندا.
وتكررت الصورة في مونديال 2026، إذ لا يمكن لفرنسا والبرازيل أن تلتقيا إلا في النهائي المقرر يوم 19 يوليو، كما يبقى احتمال إقامة قبل نهائي كلاسيكي بين البرازيل والأرجنتين قائما إذا واصل المنتخبان مشوارهما بنجاح.
هل التاريخ يكرر نفسه؟
ويصعب اعتبار هذه المصادفات دليلا على ما ستؤول إليه البطولة، فالتاريخ الكروي مليء بتشابهات لم تتكرر نهاياتها بالضرورة، كما أن مباريات الأدوار الإقصائية تحسمها التفاصيل الفنية والبدنية أكثر مما تحسمها الأرقام والذكريات.
ومع ذلك، تبدو فرنسا صاحبة النصيب الأكبر من هذه المصادفات، إذ لا يقتصر التشابه على مسارها في دور المجموعات، بل يمتد إلى هوية منافسها في دور الـ16، وإمكانية مواجهة المغرب في دور الثمانية، إضافة إلى كون طريقها لا يلتقي بالبرازيل إلا في المباراة النهائية، تماما كما حدث في مونديال 1998.
وفي المقابل، لا يخلو مسار البرازيل أيضا من مؤشرات متشابهة مع تلك النسخة، فقد تصدرت مجموعتها كما فعلت عام 1998، ووجدت نفسها مجددا في مسار منفصل عن فرنسا لا يجمعهما إلا في النهائي، مع بقاء احتمال مواجهة الأرجنتين في قبل النهائي قائما، وهو سيناريو كان مطروحا أيضا قبل 28 عاما.
وفي النهاية، تبقى هذه الوقائع مجرد مصادفات تاريخية تضفي مزيدا من الإثارة على البطولة، لكنها لا تمنح أفضلية حقيقية لأي منتخب.
وإذا كانت نسخة 1998 انتهت بتتويج فرنسا بعد مسار يحمل أوجها كثيرة من التشابه مع مونديال 2026، فإن الأسابيع المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كان التاريخ يكرر نفسه، أم يكتفي باستحضار ذكرياته.









