صدق مثل البادية القائل: «إن قابلك طرب ما تبدله بغضب»
بالأمس، اكتست شوارع وميادين القاهرة والمحافظات، بل وجميع العواصم العربية، بحالة عارمة من الفرحة والسعادة، احتفالاً بفوز منتخب مصر على منتخب أستراليا في بطولة كأس العالم لكرة القدم.
هذا الفوز الذي انتظرناه طويلاً، صعد بالكرة المصرية والعربية والأفريقية لنلحق بمنتخب المغرب الشقيق، ليصبح لدينا فريقان عربيان يمثلان العروبة والقارة السمراء في دور الـ (16)، داعين لهما بالتوفيق والسداد لمواصلة مشوار الفوز والعبور معاً إلى دور الثمانية؛ فهما يمتلكان العزيمة والطموح وكل مقومات الانتصار، وليس على الله ببعيد.
نعم، عاشت الجماهير المصرية ليلة من أجمل لياليها؛ فرحة مستحقة تجسدت في التهليل والتكبير والزغاريد وقرع الطبول، ورفع الأعلام المصرية في مدرجات الاستاد الذي شهد الملحمة، وفي كل ميادين العاصمة والقاهرة الكبرى، ومن عروس الصعيد “المنيا” إلى حدود مصر من مطروح وسيوة، وصولاً إلى أسوان ورفح وسيناء، وشمال وجنوب الصعيد، والدلتا والوادي الجديد، وكل أقاليم مصر المحروسة.
وقد تابعتُ عن كثب فرحة أهلنا في ليبيا مع الجالية المصرية في طبرق، ودرنة، والقبة، والبيضاء، وشحات، والمرج، وبنغازي، وأجدابيا، وطرابلس، وفي السودان، والسعودية، والكويت، وفلسطين، والأردن، وتونس، والجزائر، واليمن، والبحرين، وقطر، وسوريا، والإمارات، ولبنان. كل الشعوب العربية كان حالها كحال شعب مصر الذي يعيش على الأمل ويشتاق للفرحة، والحمد لله رب العالمين قد جاءت. فلنفرح إذن، ولنطبق مثلنا في البادية: (إن قابلك طرب ما تبدله بغضب)، بمعنى ألا ننظر لبعض السلبيات أو نوليها اهتماماً فتضيع منا فرحة الفوز وسط النقد والجدل والـ”هبد” الذي لا يفيد.

كتيبة الرجال والتوأم الذهبي
الشكر كل الشكر لهذا الجيل الذهبي من لاعبي منتخب مصر، تلك الكتيبة الغالية من أبناء الوطن بقيادة التوأم حسام وإبراهيم حسن، اللذين ضربا أروع الأمثلة في تحمل المسؤولية الوطنية، دون الالتفات إلى النقد الهدّام من محبطي الهمم، وآراء بعض النقاد واللاعبين القدامى وقلة من رجال الإعلام، وبعض من يجدون أنفسهم في الجدل وشعار “خالف تعرف”.
علينا أن ننظر إلى ما تحقق على أرض الواقع من هذه الكتيبة العاشقة للوطن، والتي تقدر حب الجماهير المتعطشة للفوز الذي انتظرناه لسنوات طوال، وها هو يتحقق بفضل إرادة سياسية حكيمة تتطلع للأفضل في ميدان الرياضة وفي كل ميادين الحياة، وبدعم شعبي لا يتوقف؛ حيث صدحت أصوات الجماهير في النجوع، والعزب، والكفور، والقرى، والمدن، وفي الشوارع، والميادين، والنوادي، وفي كل مؤسسات الدولة، والكل يشجع وينادي: “تحيا مصر.. تحيا مصر”؛ تلك الصرخة النابعة من القلوب قبل الأفواه.
ومن وجهة نظري كرياضي وسباح ولاعب كرة قديم وعاشق لهذه اللعبة الشعبية الأولى في العالم، أرى أن هذا المنتخب حقق لشعب مصر ما لم يتحقق من قبل في تاريخ مشاركاتنا المونديالية، ويظهر ذلك جلياً في الآتي:
- أولاً: اللعب بكل جرأة وندية وبدون خوف أمام كبار المنتخبات.
- ثانياً: التعادل مع بلجيكا بعد أن كان لنا السبق في التهديف، وخطف نقطة ثمينة.
- ثالثاً: الفوز على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مع السبق في التهديف وحصد الثلاث نقاط.
- رابعاً: التعادل مع إيران وحصد نقطة التأهل.
- خامساً: الصعود من المجموعات لأول مرة في التاريخ الحديث بهذه القوة.
- سادساً: مواجهة أستراليا والتعادل 1/1 في الوقت الأصلي، والسيطرة على الوقت الإضافي وإضاعة جملة من الأهداف، حتى حسمت ضربات الجزاء الترجيحية الفوز لصالحنا بنتيجة 4/2، ونصبتنا متأهلين لدور الـ (16) لأول مرة في التاريخ.

مكاسب تاريخية على أرض الواقع
أهداف ونقاط تحققت على أرض الواقع تُحسب لكتيبة حسام حسن وجيله الذهبي:
- الوحدة الوطنية والعربية: فرحة عارمة واعتزاز بمصريتنا وعروبتنا؛ حيث ذابت كل الأسماء وتناست الجماهير الكيانات والأندية (فلا أهلي ولا زمالك)، بل هتف الجميع باسم “منتخب مصر”.
- الرسالة السياسية والإنسانية: إلتحاف حسام حسن بعلمي مصر وفلسطين كان رسالة بالغة الأهمية في هذا التوقيت، ومن قلب ملعب “دالاس” بولاية تكساس الأمريكية، مؤكداً أن مصر وشعبها يضعون فلسطين دائماً في القلب.
- نجاح الرؤية الفنية: أثبت حسام حسن أنه مسؤول عن خياراته، وقد راهن عليها ودافع عنها بكل قناعة، وجاءت النتائج لتثبت نجاح خططه وفكره الصائب.
- تجديد دماء المنتخب: تقديم وجوه جديدة تمتلك الكثير من الموهبة، وتُعد مستقبل المنتخب القومي.
- التبديلات الحاسمة: التغييرات التي رآها البعض خاطئة أتت بالجديد وكللت بالنجاح؛ مثل تبديل “مصطفى زيكو” في مباراة نيوزيلندا الذي أحرز هدفاً رائعاً بالرأس، ثم دخول “تريزيجيه” وإحرازه هدفاً مميزاً.
- الجماعية في الأداء: أثبت المنتخب المصري أن جميع اللاعبين يمتلكون حس التهديف ولا يعتمدون على “النجم الأوحد” (مثل ميسي في الأرجنتين)؛ حيث تنوعت الأهداف السبعة لمصر بين أبطالنا: (إمام عاشور “هدفين”، مصطفى زيكو، محمد صلاح، وتريزيجيه).
- صناعة الفارق: دخول الفتى الأسمر “هيثم حسن” قلب دفة المباراة لصالحنا، وانتشل المنتخب من التراجع إلى التقدم والسيطرة على زمام الأمور وتهديد المرمى الأسترالي. كما أن الدفع بـ “محمود صابر” -الذي أحرز هدف التعادل سابقاً أمام إيران- ليتصدى لضربة الجزاء الأولى بنجاح، منح الثقة لباقي زملائه. وفي باق الضربات، أحرز رامي ربيعة، ومحمد صلاح، وحسام عبد المجيد الذي رجح كفته نزوله وأحرز الضربة الحاضنة للتأهل.
نحو الحلم الأكبر
كل هذه النتائج تثبت صدق ما قلناه؛ فـ “الكابتن حسام وإبراهيم حسن” ظاهرة تستحق التقدير والاحترام، لا سيما وتاريخهما مشرف؛ فحسام حسن هو من أحرز هدف تأهل مصر المونديالي في شباك الجزائر عام 1989 (لنسخ كاس العالم 1990)، وهو صاحب ضربة الجزاء الشهيرة التي تأهلنا بسببها.
وصولنا لدور الـ (16) هو إنجاز بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وبالتأكيد، كلنا نتطلع ونحلم بالفوز على الأرجنتين في المباراة القادمة، ولمَ لا؟ “إحنا لو بطلنا نحلم نموت”! لكنها كرة القدم يا سادة؛ لو تحقق الفوز في لقاء مساء الثلاثاء القادم، فسنفرح ونبتهج ونكبر حمداً لله سبحانه وتعالى. وإن لم يحالفنا الحظ، فنحمد الله على ما تحقق، ونقف خلف هذا الجيل الذهبي، ونستقبله بالترحاب والتقدير في المطار، لتُزف البعثة في شوارع القاهرة بحافلات مكشوفة، ويُكرموا على قدر ما قدموا لنا من سعادة وأدخلوه من فرحة على قلوب جماهير مصر والعالم العربي المتعطشة للسرور، وهذا أقل ما يمكن أن يُقدم لهم.
مع تحياتي وتقديري للكابتن حسام حسن ومنتخب مصر.. كتيبة الرجال الأبطال.









