تضج صفحات وسائل التواصل الاجتماعى هذه الأيام بمنشورات يتباهى أصحابها بأنهم وقع عليهم الاختيار ليكونوا ضمن هيئة مكتب «الحزب الفلانى» أو مسئولين فى أمانة بعينها فى «الحزب العلانى»، ويستقبلون التبريكات والتهانى وكأن قرار الانضمام إلى حزب معين صار بمثابة نتيجة السنة الدراسية، كالنجاح فى الثانوية العامة مثلا، أما العمل السياسى الذى هو صميم نشاط الأحزاب فلا أتصور أنه أخذ حيزا من تفكيرهم أو اهتماماتهم!
كلمة «حزب» وردت فى العلوم السياسية مقرونة دائما بكلمة «سياسى» ويعرف بأنه تنظيم يضم مجموعة من الأفراد، تتشارك نفس العقيدة السياسية وتسعى لجعل أفكارها موضع التنفيذ، مع العمل فى آن واحد، على ضم أكبر عدد من المواطنين إلى صفوفها، كما أنها تسعى للوصول إلى السلطة، أو على الأقل التأثير على قرارات، فالأحزاب بذلك قناة شرعية لبلورة وتجميع وتوصيل أفكار واتجاهات وانطباعات الرأى العام فدور الأحزاب السياسية ليس تنفيذيا وإنما هو تقييم السياسات العامة وقياس مدى فاعلية تلك السياسات فى تحقيق الهدف منها.
يبقى العمل الحزبى عملا تطوعيا قائماً على الوعى من المنضم بمفهوم المشاركة السياسية.
بعض الأحزاب فى مصر تعانى مشاكل داخلية، فبعض الأحزاب الجديدة مثلا ربما قبل الإعلان عن تأسيسها تعرب صراحة عن رغبتها فى التغول والسيطرة على نسبة كبيرة من الأصوات الممثلة فى البرلمان وهذا فى حد ذاته ليس عيبا، فكل متنافس يريد أن يأخذ مساحة أكبر على الخريطة السياسية، ولكن المشكلة تحدث عندما يجد الحزب نفسه عبارة عن قوائم بشرية طويلة ومتنافرة فى الأفكار والاتجاهات، فحين ينضم أصحاب الرؤى المختلفة فى كيان واحد، إما أن تحكم عليه بالجمود، أو أن يكون شكلا بلا مضمون، وهنا تبرز مشكلة خاصة بالوعى ، وهو ما يستدعى أهمية زيادة الوعى بدور الأحزاب فى المجتمعات.
أضف إلى ذلك أن التجربة الحزبية فى مصر لا تزال حبيسة الأنماط التقليدية والإدارية فى تسيير أمورها، رغم تبدل الظروف وتغير المجتمعات بنيويا واقتصاديا، بل وخاصة على صعيد الوعى، لذلك كنت ومازلت من المطالبين بتدريس مبادئ العلوم السياسية فى المدارس من المرحلة الإعدادية لتنشئة الأجيال الجديدة سياسيا وتعريفهم ماهية الأحزاب السياسية والفروق بينها وبين جماعات الضغط أو المصالح، فجوهر الديمقراطية هو الاختيار بين بدائل، والبدائل هنا هى الأحزاب السياسية، فهى سمة أساسية للنظم الديمقراطية، وهذا فى الأخير يصب فى مصلحة الوطن، وأى ديمقراطية ينبغى أن يكون فيها أحزاب، فهى الأداة الوحيدة للمنافسة السياسية.
أغلب الأحزاب ليس لديها قناة إعلامية للتعبير عن برامجها وتوجهاتها حتى يسهل نفاذها للجمهور.
أخيرا: تحتاج الأحزاب فى مصر كبيرة وصغيرة قديمة وجديدة إلى تحديد خطوطها العريضة وشرح طبيعة العمل السياسى لأعضائها والنزول إلى الشارع لتكتسب الجماهيرية، وابتكار برامج ورؤى بديلة، وتعلية المؤسسات على الأشخاص، وتمكين الكوادر الشابة المدربة، ومنحها الصلاحيات والمساحات للممارسة السياسية.









