التكنولوجيا ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما أداة تتحدد قيمتها بمن يستخدمها. وبينما تتسابق الدول للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التنمية والاقتصاد، تتسابق العصابات الإجرامية أيضًا لاستغلاله في تجارة الموت.
الأرقام التي كشفها تقرير المخدرات العالمي 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تدق ناقوس الخطر، ليس فقط بسبب ارتفاع أعداد متعاطي المخدرات إلى 331 مليون شخص حول العالم، وإنما لأن التكنولوجيا أصبحت تمثل البنية التحتية الجديدة لتجارة المخدرات العالمية.
قواعد اللعبة تغيرت بالكامل، فلم تعد المخدرات تُصنع فقط في المعامل السرية، بل تُسوَّق عبر الإنترنت، وتُدفع أثمانها بالعملات المشفرة، ويُدار توزيعها من خلال تطبيقات مشفرة، بينما يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل الأسواق، واستهداف العملاء، وإخفاء الأنشطة الإجرامية بطرق غير مسبوقة.
التقرير يكشف أن المهربين لم يعودوا يعتمدون على تهريب مادة واحدة أو مسار واحد، وإنما أصبحوا أكثر ابتكارًا في إنتاج مواد مخدرة اصطناعية جديدة للتحايل على القوانين. ففي عام 2024 تم رصد 755 مادة ذات تأثير نفسي جديد، بينها 118 مادة ظهرت لأول مرة، وهو رقم يعكس سباقًا محمومًا بين المشرعين من جهة، والعصابات الإجرامية من جهة أخرى.
المشكلة أن التكنولوجيا تختصر الزمن بصورة مذهلة. فما كان يستغرق سنوات لتطوير مادة مخدرة جديدة أصبح يمكن إنجازه خلال أشهر قليلة، مستفيدًا من قواعد بيانات كيميائية ضخمة، وبرامج محاكاة متقدمة، وسهولة تبادل المعرفة عبر الشبكات المظلمة.
ولم تعد التجارة تعتمد على اللقاءات المباشرة، فأسواق الإنترنت المظلم أصبحت بمثابة “مراكز تسوق رقمية” للمخدرات، بينما أتاحت تطبيقات التراسل المشفر مستوى من السرية يصعب اختراقه، كما أصبحت العملات الرقمية وسيلة مفضلة لغسل الأموال وتحويل الأرباح بعيدًا عن أعين الجهات الرقابية.
الأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُنظر إليه باعتباره قاطرة التنمية في مختلف القطاعات، يمكن أن يُساء استخدامه أيضًا في خدمة الجريمة المنظمة. فمن الممكن توظيفه لتحليل أنماط تحركات أجهزة إنفاذ القانون، أو تصميم حملات دعائية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، أو حتى إنتاج محتوى مزيف يصعب كشفه.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالتكنولوجيا نفسها التي تستخدمها الحكومات لتعزيز الأمن أصبحت في المقابل تمنح المجرمين أدوات أكثر تطورًا.
إن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبحت معركة رقمية بالدرجة الأولى. فالردع التقليدي لن يكون كافيًا إذا لم يصاحبه استثمار ضخم في تقنيات تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وتتبع العملات المشفرة، والتعاون الاستخباراتي الدولي، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني.
وفي المقابل، لا يقل دور التوعية أهمية عن المواجهة الأمنية. فجيل اليوم يعيش داخل الفضاء الرقمي، وإذا كانت شبكات الجريمة تستخدم المنصات الرقمية لاستقطاب الضحايا، فإن المؤسسات التعليمية والإعلامية مطالبة باستخدام الأدوات نفسها لبناء وعي رقمي يحصّن الشباب من الوقوع في هذا الفخ.









