كلما قصدنى أحدهم يستشيرنى فى الاستعانة بشخص ما للقيام بمهمة ما ويبدأ يعدد لى خصاله الكريمة بأن هذا الشخص موضع ثقته المطلقة، لأنه رجل طيب جدا وخلوق وقبل أن أنطق يضيف «وإن كان على الشغل وفنياته سهلة كلنا بنتعلم» فأرد باقتضاب طيب تمام ربنا يوفقكم، فينظر إليَّ باستغراب ما رأيك فى فلان، لم تجبنى بوضوح، فأكرر طالما أراه موضع ثقتك ورجلا طيبا وقررت تستعين به فلا قيمة إذن لرأيى أو رأى غيري، فتزداد دهشته من ردودى ويقول يا عم أنا باخد رأيك عشان الأمر شورى، ودى مسئولية أمام الله، وعندما سمعت كلمة المسئولية أمام لفظ الجلالة، سارعت بقولى إذن هذا الشخص لا يصلح وقبل أن يدخل معى فى حالة جدل، أضفت أن أهل الثقة هم أصل البلاء إذا لم يكونوا أهلا للخبرة والتجربة، أما حكاية رجل طيب فنحن لا نبحث عن عريس لإحدى بناتنا وأما فكرة كلنا بنتعلم فهذا فخ نصبناه لأنفسنا لإبعاد كل أصحاب الكفاءات، فنظر لى محدثى وقال لكنك لا تعرف ضغوط وطبيعة وتعقيد العمل الذى يحتاج شخصا ثقة يغطى ظهرك، قلت له إذن لا تطلب منى المشورة ثانية، فلن أعطيك رأيا يخالف ما أراه صحيحا، لن أمنحك صكّا مجانيا تريح به ضميرك بأنك استشرت أناسا مجردين، قلت له يا سيدى عليك بأهل الشرف والمروءة والخبرة .. انتهي، بيد أنه صراع تاريخى قائم ومحتدم بين أنصار أهل الثقة ومناصرى أهل الخبرة ولكل فريق رؤيته التى تبدو مقنعة، لكن السؤال هل الثقة تغنى عن الخبرة؟ وهل يمكن للخبرة أن تبنى ثقة حقيقية مع مرور الوقت؟ وهل نضبت الأرض عن إنتاج أهل خبرة موثوق بهم أو أهل ثقة لديهم الخبرة الكافية؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تدور فى ذهنى كثيرًا وأنا أراقب المشهد العام بطوله وعرضه مهموما ومهتما بكل ما يمس بلادى الحبيبة التى يديرها رجل شريف بكل ما تحمله الكلمة من معان نبيلة وصلت فى نهاية أشواط من التفكير العميق إلى أن الشرف هو أهم عنصر يجب التنقيب والبحث عنه كما ننقب ونبحث عن المعادن النفيسة فوالذى نفسى بيده ما وجدت كلمة أعظم تأثيرا فى النفس والقلب والروح مثل كلمة «الشرف» التى يُقسم به وعليه كقسم عظيم، فعندما يقسم الرجل الشريف بشرفه ترتفع الأقلام وتجف الصحف ولا حديث بعد ذلك، ربما ارتكبت السينما خطيئة كبيرة دون أن تدرى وهى السخرية من هذه المفردة العظيمة التى تفعل فى النفس الأفاعيل، حيث تم وضعها فى سياقات كوميدية لا تليق بعظمتها ودلالتها على سبيل المثال جاءت عبارة «أحلى من الشرف مفيش» على لسان الفنان الكبير توفيق الدقن لتنسف المعنى الحقيقى للكلمة.
>>>
وللكلمة دلالات وانطباعات بحسب استخدامها فهناك من يستخدمها فى سياقات محدود مثل ما تقول «شرف الفتاة» والذى ينصب على معان ٍ ضيفة فى مجتمعاتنا العربية وهناك من يستخدم الكلمة بدلالاتها الكاملة فتخرج معبرة عن صدق وطهارة ونبل وأصل ومروءة وكل المعانى الجميلة المرتبطة بتلك الكلمة العظيمة ويُحكى أن عمر بن عبدالعزيز جلس مع الحسن البصرى. وسأله بمن أستعين على الحكم يابصريّ؟ فقال البصرى: يا أمير المؤمنين أما أهل الدنيا فلا حاجة لك بهم.. وأما أهل الدين فلا حاجة لهم بك، فقال عمر بن عبدالعزيز مندهشا فبمن أستعين إذا يا إمام؟ قال البصرى: عليك بأهل الشرف… فإن شرفهم يمنعهم عن الخيانة.









