تشهد مصر منذ ثورة 30 يونيو 2013 مرحلة تاريخية فارقة، يمكن وصفها بحقبة التأسيس الثانى للدولة المصرية الحديثة، لم تكن هذه السنوات مجرد فترة زمنية عابرة، بل كانت مخاضاً وطنياً كبيراً استهدف استعادة الدولة من براثن الفوضى والانهيار، والانطلاق بها نحو آفاق تنموية لم تشهدها البلاد منذ عقود، ومع تزايد وتيرة المشروعات القومية العملاقة التى غيرت وجه الجغرافيا المصرية، يبرز الوعى كأهم ركيزة لضمان استدامة هذه الإنجازات، فالمشروعات العظيمة لا تبنى بالحجر والحديد فحسب، بل تحمى بالإيمان والوعى الجمعي، وعندما نتحدث عن المشروعات العظيمة فى مصر اليوم، نحن لا نتحدث عن أرقام فى ميزانيات، بل عن تغيير جذرى فى واقع الحياة اليومية للمصريين، لننظر إلى شبكة الطرق القومية التى ربطت أوصال البلاد، والتى لم تكن ترفاً، بل كانت ضرورة إستراتيجية لربط الموانئ بالمناطق الصناعية، وفتح آفاق للاستثمار فى قلب الصحراء، مما يقلل المسافات ويخلق مراكز تنموية جديدة بعيداً عن الوادى والدلتا المكدسين.
كذلك تأتى مشروعات الطاقة، التى حولت مصر من عجز مزمن فى الكهرباء إلى دولة لديها فائض يسمح لها بأن تصبح مركزاً إقليمياً لتداول الطاقة، هذا الإنجاز هو المحرك الأساسى لأى نهضة صناعية حقيقية، وعندما نضيف إليها مشروعات الاستصلاح الزراعى المليونية، مثل الدلتا الجديدة ندرك أن الدولة تسعى لتأمين الأمن الغذائى فى ظل أزمات عالمية طاحنة.
ولا يمكن إغفال مشروع «حياة كريمة»، الذى يعد بحق معجزة العصر، حيث يمس حياة أكثر من نصف سكان مصر فى القرى والريف، محولاً معاناتهم التاريخية إلى واقع ملموس من الخدمات المتكاملة، كل هذه المشروعات ليست مجرد إسمنت وحديد، بل هى عقد اجتماعى جديد يربط الدولة بمواطنيها.
إن إدراك المواطن لهذه المشروعات ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة أمن قومي، والوعى يعنى القدرة على رؤية الصورة الكاملة وسط ضجيج التحديات الاقتصادية، فالدول لا تبنى فى يوم وليلة، وعمليات التنمية الكبرى تصاحبها دائماً ضغوط اقتصادية وتحديات معيشية، وهى أدوات يستخدمها أعداء الاستقرار للتشكيك فى جدوى هذه المشروعات.
الوعى يعنى أن يدرك المصرى أن التضحيات الحالية هى استثمار فى مستقبل الأجيال القادمة، ولابد أن يعلم المواطن أن الطريق الذى يعبد اليوم، والمحطة التى تبني، والمصنع الذى يفتتح، هى أدوات لرفع تكلفة المعيشة على المدى الطويل وخلق فرص عمل مستدامة لأبنائه، بدلاً من الاعتماد على المعونات أو استمرار حالة التردى والجمود التى ميزت عقوداً ماضية.
وعى المواطن بالمشروعات العظيمة لا يتوقف عند حد التأييد، بل يمتد إلى المشاركة الفعالة.
المواطن الواعى هو الذى يحافظ على المرافق العامة، وهو الذى يشارك فى المبادرات الوطنية، وهو الذى يمتلك بصيرة تقييم الأداء، إن الوعى التنموى يحول المواطن من متلق للخدمة إلى شريك فى بنائها، علاوة على ذلك، فإن الوعى هو السلاح الأقوى ضد الشائعات، إن تزييف الحقائق هو السلاح الأكثر خطورة فى الحروب الحديثة، فعندما يمتلك المصرى المعرفة الحقيقية بحجم الإنجازات والهدف منها، يصبح محصناً ضد محاولات النيل من إرادة الدولة الوطنية.
نحن نعيش فى عصر «السيولة المعلوماتية»، حيث تتدفق الأخبار والمفاهيم بسرعة البرق، وتنتشر الشائعات بضغطة زر، ولذلك يصبح دور مؤسسات الدولة، والإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية محورياً فى صياغة هذا الوعي، ويجب أن تتحول لغة الأرقام الصماء إلى قصص نجاح إنسانية يشعر بها المواطن، يجب أن تصل ثمرة المشروعات إلى أيدى الناس كواقع ملموس فى خدمات الصحة والتعليم والعمل.
الوعى ليس مجرد شعارات تردد بل هو ثقافة تبنى فى المدارس والجامعات وفى بيوتنا، يجب أن نفخر بأننا جيل استطاع أن يضع حجر الأساس لمستقبل مختلف، رغم كل الصعاب التى واجهت المنطقة بأكملها.
إن مصر اليوم ليست هى مصر قبل 2013، لقد خرجت من عنق الزجاجة، ووضعت قدميها على طريق الدول الصاعدة، لكن الطريق لا يزال طويلاً، الوعى هو الوقود الذى يضمن عدم توقف هذه المسيرة، إن المشروعات العظيمة التى أُنجزت هى بنية تحتية للمستقبل، والوعى هو البنية الفوقية التى ستحمى هذا المستقبل وتضمن تطوره.
إن تاريخ الأمم لا يكتب بمداد من حبر، بل بمداد من العمل والإنجاز، لقد وضع المصريون بعد 30 يونيو خياراً لا رجعة فيه هو بناء الدولة القوية القادرة، ولن تكتمل هذه القوة إلا بوعى يدرك أن كل تحد هو فرصة، وكل ألم هو مقدمة لأمل، فالمصريون اليوم لا يبنون مدنا فحسب، بل يبنون وعياً جديداً بوطن يليق بتاريخهم العريق وطموحاتهم اللامحدودة، إن الوعى هو البوصلة، والبناء هو الغاية، ومصر هى الوجهة الأكيدة نحو الريادة.
وللحديث بقية









