- هل نستطيع التمسك بالقيم والعدالة حين يكون المتهم أقرب الناس إلينا، أم أن للعدالة وجهًا آخر؟
سؤال من العيار الثقيل يطرحه مسلسل “للعدالة وجه آخر” الذي يُعرض حاليًا؛ ليضع مبادئنا على المحك. فمنذ الحلقة الأولى، نجح العمل في جذب انتباه المشاهد عبر جريمة قتل الفتاة “ميرنا”، التي يُتهم بقتلها “يوسف”، نجل الإعلامي الشهير “فؤاد السرجاني” الذي يجسده النجم ياسر جلال. وفؤاد المعروف لدى جمهوره بمبادئه وأخلاقه ودفاعه المستميت عن الحق، يجد نفسه فجأة في عين عاصفة أخلاقية وقانونية لا ترحم.
جاءت أحداث المسلسل محملة بالإثارة والتشويق والغموض؛ لتضع المشاهد في حالة ترقب دائم بحثًا عن القاتل الحقيقي، حيث تحمل كل حلقة مفاجأة جديدة. لكن العمل لا يكتفي بالإثارة البوليسية، بل يأخذنا إلى منطقة نفسية شائكة؛ إذ يقع فؤاد السرجاني في علاقة حب سرية مع “ميرنا” القتيلة التي تصغره سنًا وتحمل منه، رغم كونه قدوة للجمهور وزوجًا وأبًا، ويزداد التعقيد دراماتيكيًا حين يكتشف أن ابنه “يوسف” كان يحب الفتاة نفسها!
ياسر جلال.. أداء استثنائي على عرش الكبار
إن شخصية “فؤاد” ليست سهلة أو نمطية، بل هي شخصية مركبة تحمل وجوهًا متعددة، وكان اختيار ياسر جلال لتجسيدها موفقًا للغاية. فهو ممثل من العيار الثقيل، استطاع منذ الحلقات الأولى أن يقنعنا بصورة الإعلامي الجاد الباحث عن الحق والعدالة مهما كان الثمن.
لكن خلف هذا القناع يسكن رجل آخر؛ رجل يبحث عن الحب الذي حُرم منه في زواج غير سعيد، ليقع في غرام فتاة صغيرة؛ فالحب لا قانون له ولا سلطان على القلوب، وقد يدفعنا أحيانًا للتصرف بطيش. الحب ليس ذنبًا نُعاقب عليه، لكن مكانة فؤاد السرجاني الإعلامية منعتْه من إعلانه، ليعيشه سرًا. وبعد تورط ابنه في الجريمة، يدخل فؤاد في صراع نفسي عنيف:
- هل سينكشف أمره المستور؟
- هل سيخالف مبادئه لإنقاذ فلذة كبده؟
- هل يضحي بشخص آخر ليعترف بزورٍ ويبرئ ابنه؟
عبقرية التجسيد: عكف ياسر جلال على تجسيد هذه المعاناة القاسية ببراعة واقتدار ودون مبالغة، فهو يعيش ممزقًا بين شخصيتين. كل مشهد يقدمه يأتي محملاً بالصعوبة، معتمدًا على ذكائه وخبرته الأدائية؛ حتى لحظات صمته كانت تنطق مأساة، مستخدمًا تعبيرات الوجه والجسد. لم نكن أمام ممثل يجسد دورًا، بل أمام رجل يخلع جلده أمام الكاميرا؛ ففي صمته قسوة، وفي نظرته انكسار، وفي ارتعاشة يده ألف اعتراف. هذه العبقرية جعلت المشاهد يتورط وجدانيًا مع البطل المذنب، ويقع في “الفخ” الإبداعي الذي نصبه ياسر جلال، لنجد أنفسنا نتعاطف معه ونحب فؤاد السرجاني رغم سقوطه من فوق منبر المبادئ. لقد ارتقى جلال بالأداء إلى منطقة لا يصلها إلا الكبار، مذكرًا إيانا ببراعة الراحل أحمد زكي في تقمص الشخصيات.
أبعاد درامية وأوركسترا تمثيلية متناغمة
المسلسل لا يناقش قضية قتل عادية، بل يطرح قضايا أسرية هامة، معتبرًا جرس إنذار يدعو الآباء للاهتمام بأبنائهم وعدم الانشغال عنهم في سن المراهقة، والتأكيد على أن الأبناء هم من يدفعون دائمًا ثمن الخلافات الزوجية.
وقد جاءت رؤية المخرج محمد يحيى مورو مبهرة، حيث استطاع أن يخدم الحدث الدرامي القائم على الغموض والإثارة، واضعًا المشاهد في حالة شغف دائم. كما صاغ المؤلف عمرو الدالي الحبكة الدرامية بطريقة رائعة، ورسم كل شخصية وصراعاتها النفسية بدقة شديدة، حريصًا على إيقاع سريع للأحداث يحل لغز “من القاتل؟”.
وعلى مستوى الأداء الإنساني، جاء الممثلون جميعًا في أوج توفيقهم:
- أروى جودة: جسدت معاناة الأم وخوفها الهستيري على ابنها بمصداقية شديدة.
- محمد علاء: قدم شخصية ضابط الشرطة بطريقة متجددة ومختلفة، متمكنًا من أدواته وانفعالاته.
- سما إبراهيم: أبدعت في تقديم دورها بحرفية بالغة كالعادة.
- الوجوه الشابة: (مينا نبيل، نور إيهاب، جنا الأشقر، فادي السيد) كان كل منهم على قدر المسؤولية وجسد دوره ببراعة.
نحن في انتظار المزيد من الإثارة والتشويق في الحلقات القادمة، لنعرف في النهاية: لأي وجه ستنتصر العدالة؟














