-ترشحى لـ ” كتارا ” .. علامة على الطريق
-أنا ابنة واقع ..تقدم رؤيتها عنه وعن ذاتها عبر الخيال
حوار / جمال فتحي
– في روايتها الخيرة ” أشا” بجزأيها ” الجعران والقمر، ويوم وصول الرجل الأحمر” قدمت سمر نور عوالم محكمة البناء ونسجت حكايتها برهافة بالغة ولغة رشيقة ناعمة غلفت بها سخونة الأحداث وغاصت في نفوس أبطالها ببراعة طبيب نفسي و أعادت تقديم تراث النوبة وأساطيرها ورموزها بتضفير رائع مع هموم اللحظة الراهنة وكأنها تحاول تفسير الزمن الحالى بطريقتها الخاصة ، وقد حظيت الرواية بتقدير بالغ على مستويات عديدة وليس غريبا أن يعلن منذ أيام عن ترشحها لجائزة ” كتارا” للرواية ضمن عدد من الأعمال المرشحة للفوز ، لسمر عدد أيضا من المجموعات القصصية والروائية منها: محلك سر، في بيت مصاص دماء، تماثيل الجان، الست، بريق لا يحتمل.. وهنا نحاورها عن الرواية وترشحها وعن تصورها للكتابة وجدواها ورحلتها مع السرد.
نبدأ من ترشحك على قائمة ” كتارا” للرواية مع عدد من الكتاب.. كيف تنظرين إلى الجوائز وقيمتها بشكل عام؟
لا شك أنني سعيدة بالترشح وأتمنى حصولى على الجائزة لكن علينا أن نتذكر دائما أن الجائزة ليست كل شئ وإنما الجوائز علامات على الطريق وهى أمر مشجع للكاتب أن يواصل مشواره بدأب، ودائما أذكر نفسي بأن هناك أعمالا كثيرة وعظيمة في القيمة لم تترشح ولم تحصل على جوائز لذا فهى ليست معيار وحيد وإنما تضمن للعمل مقروئية

( الكتابة)
أن نبدأ حديثنا عن ” الكتابة” بمعناها العام.. ما هو فهمك وتصورك الخاص للكتابة وجدواها؟ وما الذي يمكن للكتابة أن تقدمه لكاتب هذا اللحظة الصعبة من عمر الزمن؟
صرنا في السنوات الأخيرة نتحدث كثيرا عن مفهوم الكتابة وجدواها، تساؤلات تدور في أذهان الكتاب في زمن متغير بوتيرة سريعة، وتتحكم فيه “القراءة السريعة” وعدد الفولورز وما إلى ذلك، مما قد يصيب الكتاب الحقيقيين بالاحباط أحيانا، وبالنسبة لي مفهوم الكتابة يتغير من عمل لآخر وفقا لتجربتي خلاله، كل عالم يحمل مفهومه الخاص، ولم تعد لدي تلك الأفكار العظيمة عن القدرة على التغيير الآني، بل عدت إلى تعريفي للكتابة في طفولتي حين كنت أحلم بنص يشعر طفلة مثلي تعيش في بلد أخرى بأن هناك من يشعر بما تشعر به، مثلما ألهمتني كتابات أخرى هذا الشعور، وصارت الكتابة هو هذا المزاج بين ما هو ذاتي وما هو عام، كأنى أحاول التفاعل مع العالم دون أن أفقد خصوصيتي، أكتشف العالم وأكتشف ذاتي في آن واحد. لا أنتظر أن تمنحني الكتابة الكثير في تلك اللحظة الآنية، لكني أدرك أحتياجي للتفاعل مع اللحظة دون خسران ذاتي، وما زلت أراهن على التراكم، وأعرف أن كتابتي ستقرأ دائما بشكل مختلف، وأتمسك بهذا الأمل، وأجده الرهان الأهم في حياتي، فقد تعلمت الأمل بعد ضياع سنوات مع اليأس الذي لا يقودنا لأي مكان، لقد تعلمت بطريقة الصعبة.

تكتبين القصة والرواية فمتى وكيف تتخذين القرار باختيار جنس العمل المحتمل كتابته؟
بدأت بكتابة القصة ولم أكن أراها كخطوة في طريق كتابة الرواية، بل كنت أدرك أنها فن مستقل وكنت أظن أنه الأقرب لتركيبتي الشخصية ولنظرتي للعالم، وكنت دائما أفضل كتابة المجموعة القصصية باعتبارها تجربة مكتملة، قد يجمعها لوحات فن تشكيلي مثلا، أو يجمعها فكرة مستحوذة على كياني أثناء الكتابة وتلح في كل النصوص. لم أكن أراني أبدا كروائية، لكن كل شىء أختلف عام 2008 حين بدأت في كتابة رواية “محلك سر”، ووجدن نظرتي للعالم تختلف، بعد نشر روايتي الأولى عام 2013 كان ما زال لدى ما أقدمه لفن القصة، ما زلت أشعر أن تجريبي في هذه المنطقة لم ينتهي فكانت مجموعتي القصصية “في بيت مصاص دماء” التي مثلت نهاية مرحلة بالنسبة لي، من بعدها لم أستطع العودة للكتابة القصصية وكل عوالمي صارت روائية، أعتقد أن نظرتي للحياة أختلفت وكل فكرة صارت تتوسع في أتجاه نوفيلا أو رواية، لكنى ما زالت محتفظة من فن القصة برغبتي الشديدة دائما في التكثيف والبحث عن بؤرة تحركني وتحدد مساري، لا أريد القول أن الروايات الطويلة لا تستهويني كقارئة قبل أن أكون كاتبة حتى لا أحجر على كتابتي فلا أعرف ما قد يقودني إليه الخيال.
( استنهاض التاريخ)
في روايتيك الأخيرتين عودة للجذور إن جاز التعبير واستنهاض لتاريخ قديم برموزه وأساطيره فما الحاجة الملحة لذلك الآن في نظرك؟
لا أبحث عن سبب للكتابة، هناك عالم يتشكل ويصير هو الحاجة الملحة والضغط الوحيد بالنسبة لي للكتابة، لكن لو فكرت معك في تلك اللحظة، بعد أن انتهيت من الكتابة، لماذا الآن؟ فأجد أن الأفكار التي أثارتها ثنائية آشا تصلح لكل زمن، وتاريخ النوبة في كل مراحله الزمنية برموزه وأساطيره عالم ملهم ويمكن قراءته على مستويات مختلفة، في الجزء الأول كانت حكاية جدي التاسع القادم من بعيد وجدتي التاسعة في زمن أراه محوري في تاريخ النوبة وهو أوائل القرن التاسع عشر يستحث التأمل وكذلك في الجزء الثاني في نهاية القرن التاسع عشر مع دخول غريب آخر، ضابط أجنبي في هذه الحالة، وواقعة معاقبة عمدة القرية ورؤية الاستعمار القديم لمنطقتنا ما يقارب الحاضر في ظل نوع آخر من الاستعمار، التاريخ حلقات متصلة لا يمكن رؤية موقعك الآن دون النظر إلى ما حدث في الماضي، والخيال هو طريقة أخرى لرؤية الواقع، الأساطير والحكايات الشعبية كانت وسيلة الإنسان القديم لتفسير العالم، ومدخل للتساؤلات الإنسانية التي لا تنتهي ولا تغيب حتى في الحاضر ولا أعتقد أنها ستكون غريبة في المستقبل، وأعتقد أن الأدب، والفن بشكل عام، يستطيع التفاعل مع خيال الأقدمين والوصول إلى مناطق مختلفة تشتبك مع واقعنا.

( اشا)
آشا رواية على جزأين “الجعران والقمر، يوم وصول الرجل الأحمر” فلماذا فضلت الأول براو عليم والثانية متعددة الأصوات؟
بدأت الكتابة ولدى حكايتان، يجمعهما مكان واحد وهو قرية “الشباك” النوبية، لكن يفصل بينهم مدى زمني طويل، وكذلك يفصل بينهم اختلاف عالم كل حكاية، ورأيت أن كل عالم منهما يصلح أن يكون رواية مستقلة مرتبطة بالرواية الثانية، لكن يمكن قراءتها بمعزل عنها، ومن هنا كان لا بد أن أتعمل مع كل عالم برؤية مختلفة، في الجزء الأول كان الراوي العليم هو الأقرب لروح الحكاية الشعبية التي تعبر بنا من ميلاد البطلة آشا إلى ميلاد طفلها الأول، فتقمصت روح راوية نوبية واثقة مما تحكيه عن عالم آشا، وتتخذ من دخول الغريب القرية لحظة ذروة في حكايتها، بكل ما يحمله الغريب من معنى في الثقافة النوبية، أنها رواية بناء للحكايات وتماهي مع الحكاية الشعبية، أما الجزء الثاني فهو رواية هدم للحكايات القديمة بما يحمله ذلك من تشكك في التاريخ الشفاهي بل ربما في التاريخ بشكل عام، فكان لزاما من وجهة نظري أن نتحقق من الحكاية عبر أكثر من صوت، وأكثر من رواية، ووجدت أن هذا أقرب لروح هذا العالم المتشكك في الحكاية الأم.
حضور المرأة باذخ جدا في أشا فهل حضورها في الموروث فرض نفسه أم أن ابراز هذا الحضور له مقصد فني ؟
المرأة النوبية حاضرة بقوة في مجتمعها كما يظهر في الموروث النوبي القديم، التي تظهر فيه المرأة كبطلة أساسية تخوض المعارك ضد الكائنات الخرافية وتنتصر، وكذلك كما رأيته في نساء عائلتي، وصديقات جدتي كما كنت أتذكرهم من طفولتي، والأصل يعود منذ عهود قديمة كانت فيها المرأة النوبية ملكة محاربة، وظل أثر ذلك قائم حتى القرن التاسع عشر التي تدور فيه حكايتي آشا، حين تقرأ مثلا ما كتبه المستشرق بوركهارت في كتابه عن خروج سيدات نوبيات للقتال مع مجموعات من الرجال حاولوا التعدي على قريتهم، وكيف وصف قوة النساء في النوبة وشراستهم في القتال، ستدرك أنه لم يكن من الممكن العبور دون بناء عالم روائي يستلهم مجتمع النوبة الأمومي إن جاز التعبير.

( الرجل الأحمر)
يوم وصول الرجل الأحمر جسدت مشاعر متضاربة وصراع نفسي وطبقي وغيره لكن غلبها وغسلها في النهاية نهر من التسامح الواثق فهل تعتقدين أن الكتابة الأدبية قادرة على فعل ذلك في عصر سمته الأولى الصراع والقتل؟
لا أعتقد أن الأدب قادرا على تغيير واقع العنف والصراع والقتل على مستوى الجماعة، لكنه قادر على خلق نوعا من السمو لدى القارىء، من القدرة على تفهم مشاعر الآخرين، ومن القدرة على مراجعة الأفكار الراسخة، لكن ليس علينا الاعتقاد أن هذا الفعل قد يولد عنه تغيير مجتمعي مثلا أو تغيير في العالم ككل، فنحن نتحدث عن مجتمع تغلب عليه الأمية حتى عند المتعلمين، وأمام عالم تعلن فيه الدول المتقدمة عن تراجع معدلات القراءة، أمام طوفان التكنولوجيا وأدواتها والحياة اللاهثة والبحث عن وسيلة للعيش، فلا وقت ولا فائض مادي للثقافة، وكما قلت أنا لا أطمح في التغيير الآني، ولا أنا مخيرة بين أن أكتب أو لا أكتب، فهذه طريقتي للحياة، فكما أتنفس وأعيش كما أتخيل وأكتب.
وهل البعد الصوفي الزاهد لدى بعض الأبطال من واقع طبيعتهم في الرواية أم هو اتجاه ينمو لديك في الكتابة والحياة؟
الشخصيات تعبر عن لحظتها داخل العالم الروائي فلا أرى نفسي زاهدة مثل شخصية داوود في روايتي الأخيرة، لكني لست متطلبة ولا متوقعة تحولات كبرى من اللحظة الآنية، ولم أعد أبحث عن أنتصار الخير على الشر، ولا تشغلني تلك الثنائيات، أنا ابنة واقع وتقدم رؤيتها عنه وعن ذاتها عبر الخيال، بداخلي وجه آخر يأمل في عالم أفضل رغم كل ما سبق.









