يمكننا أن نتفق أو نختلف حول جوائز الدولة، ومعاييرها، وطريقة التصويت فيها، ومن منح هؤلاء في الأساس حق التصويت، وكيف تُدار قصة جوائز الدولة من أساسها وهي لا شك تحتاج لمراجعة كبيرة، على أن يكون النقد في الأساس موجهًا للفكرة و”للسيستم” وللمسار الذي ينتهي بنا لأن نرى فلانًا فائزًا أو فلانًا مرشحًا، سواء كان جديرًا بذلك أو لا.
لكن هناك أمورًا لا أعتقد أنه يجوز الخوض فيها، وحتى إذا خضنا فلنخض بموضوعية وبغية إصلاح هذا “السيستم” البائس بعيدًا عن الأشخاص. ومع اعترافنا بأن ثمة الكثير من المشكلات في مسألة الجوائز، ومثلها في الكثير من الأمور التي تُدار بمعرفة وزارة الثقافة ولجانها، لكن علينا أيضًا أن نعترف أن المشهد المصري مليء بالمبدعين الكبار في كل صنوف الأدب والإبداع، ولو خُصصت ألف جائزة سنويًا –والله– لنجد من يشكو الظلم والتهميش.
هذا جانب، وهناك جانب آخر أكثر أهمية في نظري، أتحدث فيه من واقع الاشتباك “الفيسبوكي” الدائر حول ترشيح الشاعر والكاتب “شعبان يوسف” تحديدًا لجائزة الدولة التقديرية، وما طاله من أذى لا يعجبني ولا أرتضيه لمثقف وكاتب قضى عمره في صناعة الوعي، وتوسيع دائرته، وزراعة الجمال والإشارة إليه، وإنصاف أصحاب الحقوق والمنسيين، ودعم كل المحاولات الإبداعية لتهتدي لطريقها بكل ما هو متاح، فضلاً طبعًا عن كتاباته.
وحديثي –وقبل أن يتعجل البعض فهمه وتأويله– لا علاقة له بترشيحه للجائزة ولا جدارته بها من عدمه، ولكن هذا حديث يحاول الذهاب بعيدًا في النظر للأمر، ولنبدأ باختصار من هناك..
من السؤال الأهم عن جدوى ما نفعل جميعًا، وما نطمح إليه، وما نسعى لتحقيقه من غرامنا بالفنون والآداب، وشغفنا بالقراءة والمعرفة، وعشقنا للإبداع للدرجة التي تجعلنا نهب أعمارنا برضا تام لتلك الرحلة المضنية التي نجري فيها خلف الكلمة في كل اتجاه!
أليس الهدف هو مقاومة القبح، وزراعة الجمال، وإضاءة العقول والنفوس بكل الوسائل الممكنة، ومساعدة أنفسنا ودفع مجتمعاتنا لتدخل تلك الدائرة المضيئة، وجعلها بقدر الإمكان مجتمعات مبصرة تختار لنفسها مكانتها اللائقة بين المجتمعات عبر الآداب والفنون والمعرفة؟! أليس هذا ما يرجوه كل مبدع وناقد ومثقف حقيقي من وراء انحيازه وسعيه وإبداعه، أم أن هناك أهدافًا أخرى يسعى خلفها البعض؟! وهنا أسأل ببساطة: وهل كان يفعل شعبان يوسف طوال حياته غير ذلك؟!
أحيانًا في نظري تكون الجوائز أقل بكثير من قيمة الحاصل عليها، وتكون مجرد طبطبة على الكتف وكلمة حلوة في نهاية الرحلة.. سواء لشعبان يوسف أو غيره، وكثيرون من مثقفي ومبدعي مصر جديرون بها، بل هم أعلى قيمة منها.
وما أريد قوله في الأمر إنه إذا كانت بعض الأعمال الإبداعية في الأدب والفنون تحدث فارقًا ما في مسيرة مجتمعاتها، مثل رواية ما أو سيمفونية أو لوحة عظيمة أو دراسة نقدية.. فقد يحدث الأثر نفسه أشخاص قضوا عمرًا كاملاً من الحفر بدأب وإخلاص وبلا كلل أو ملل، ليتركوا لمن خلفهم شجرة واحدة يستظل بظلها العابرون إلى الأبد.









