لم تعرف الصحافة.. طوال تاريخها.. رمزاً من رموزها.. مثل الأستاذ صالح إبراهيم.. ليس فقط في موهبته.. ولا في عطائه.. ولا عشقه لمعشوقته الصحافة.. متمثلة في جريدة الجمهورية.. إنما لأنه عمل صحفياً محترفاً ..وهو في سنة أولي جامعة.. وقد وضع قدمه في سنة أولي كلية الآداب جامعة القاهرة «قسم صحافة» وفي نفس الوقت وضع قدمه الأخري في جريدة الجمهورية.. ومنذ ذلك التاريخ.. لم يتخلف يوماً واحداً عن الجمهورية.. ولا عن كليته.. لم يمنعه عن الحضور.. سوي مرض الموت الأخير..زاملته لأكثر من 35 عاماً متصلة.. لم نفترق يوماً واحداً.. من حسن حظي.. أن سكنه كان قريباً من سكني.. فكانت سيارة الجريدة.. تنقلنا يومياً ذهاباً وإياباً.. وكان معنا في كثير من الأوقات أستاذنا المرحوم عبد اللطيف فايد نائب رئيس التحرير ورئيس قسم المحافظات والقسم الديني.. أحد رموز الجمهورية أيضاً.
وقد كان الأستاذ صالح.. رفيق الطريق أيضاً.. وكأن القدر أراد.. أن نقضي أطول وقت من اليوم مع بعضنا البعض.. وكانت رحلة السيارة عبارة عن حلقة نتدارس خلالها.. ما سنفعله في يومنا.. صباحاً.. وما فعلنا مساءً.. وعقب انتهاء اجتماع مجلس التحرير اليومي.. كنا نتناول الإفطار سوياً.. وكان يشاركنا الإفطار.. أستاذنا ناجي قمحه «أطال الله عمره» مدير تحرير الجمهورية علي مدي أكثر من 60 عاماً.. وكان الإفطار عبارة عن مناقشة للجريدة وما يتم تقديمه للقارئ.. عندما التحق الأستاذ صالح إبراهيم بالجمهورية.. وهو مازال طالباً في الجامعة.. أرادت إدارة الجريدة.. تعيينه.. وطلبت منه أوراق التعيين.. لكنه فاجأهم.. بأنه ما زال طالباً بالجامعة.. وهنا قال له مدير التحرير.. اذهب.. ولا تأتي للجريدة.. إلا بعد تخرجك.. ذهب صالح إبراهيم إلي منزل د. طه حسين.. رئيس تحرير الجمهورية في ذلك الوقت في الستينات.. يشتكي له.. طلب منه عميد الأدب العربي.. أن يأتي إليه صباح اليوم التالي في مكتبه بالجمهورية واصطحب طه حسين في يده.. صالح إبراهيم.. إلي مدير التحرير.. قائلاً له: نحن في حاجة إلي أمثال صالح إبراهيم.. حتي وهو ما زال طالباً في الجامعة.. وأصر طه حسين علي عودة صالح إبراهيم واستمراره في العمل بالجمهورية.. وقرر صرف أول مكافأة شهرية لصالح إبراهيم ..تقديراً لنبوغه وجهده وتفانيه في عمله بالإضافة إلي دراسته الجامعية ..ومنذ ذلك التاريخ.. لم تنقطع علاقة صالح إبراهيم بالجمهورية علي مدي حوالي 60 عاماً.. كنا نجلس سوياً.. في مكتبي في سنة 1995.. وفوجئنا بالكابتن عادل هيكل حارس مرمي النادي الأهلي المعروف.. يدخل علينا.. معانقا الأستاذ صالح إبراهيم بحرارة ..فقلت وأنتم تعرفوا بعض.. فبادرني عادل هيكل بقوله ..إحنا زملاء.. في كلية الآداب.. والأستاذ صالح.. صاحب فضل كبير.. فهو الذي كان يشرح لي المحاضرات.. التي أتغيب عنها.. فقلت في نفسي ما هذا العطاء يا أستاذ صالح.. تعمل صحفياً وطالباً جامعياً في نفس الوقت ..وأيضاً تشرح لزملائك الدروس التي لم يحضروها بل وتقدم لهم المحاضرات بخط يدك.. بكل بساطة وحب !! هكذا ظل صالح إبراهيم يعطي لكل من حوله.. لا يتأخر أبداً عن مساعدة أحد.. وهبه الله سبحانه.. موهبة الصياغة.. فهو من أفضل من عمل كديسك مان.. أي إعادة صياغة الموضوعات والأخبار.. التي يقدمها الزملاء.
بقي أن أقول.. إن أستاذنا صالح إبراهيم.. نموذج فريد في الصبر علي مرضه.. وكان أقوي من الأصحاء.. بعزيمته وإصراره علي النجاح والتغلب علي جميع المعوقات والمشاكل.. وقد يكون صالح إبراهيم.. الصحفي الوحيد.. الذي لم يتغيب يوماً عن معشوقته الجمهورية طوال حياته.. نعم رحل عنا أيوب الصحافة.. بالرغم من أن أمثال صالح إبراهيم.. لا يموتون.. فسوف يعيشون في وجداننا مدى الحياة.









