رحل الاستاذ والأب والمعلم فى هدوء وما يحزننى أكثر وأكثر أنه رحل دون أن أودعه رغم إصراره على وداعنا جميعا عندما أوصى بتشييع جثمانه الطاهر والصلاة عليه قبل أن ينتقل إلى مثواه الأخير من قلب جريدته ومعشوقته وبيته الأول الجمهورية حتى يعطينا جميعا فرصة وداعه وإلقاء النظرة الأخيرة على ذلك الوجه البريء الذى لم تغب عنه الابتسامة أبدا حتى فى أحلك الأوقات واشد الازمات.. عاش الأستاذ صالح إبراهيم فى رحاب الجمهورية العريقة أكثر من ستين عاما تنقل خلالها بين كافة الأقسام الصحفية وأظهر فى كل موقع عمل فيه كفاءة وجدارة كبيرة الى أن استقر به المقام طويلا فى قسم التحقيقات وتخرج على يديه عشرات الصحفيين النابهين والذين قدموا انفرادات صحفية متميزة بفضل توجيهات الأستاذ والمعلم صالح إبراهيم.. ثم انتقل الى محرابه المقدس.. الديسك المركزي.. فكتب صفحات جديدة مضيئة فى سجلات تاريخه المشرق وواصل تقديم دروسه المهنية للجميع.. كبارا وصغارا فتعلم منه الجميع واستفاد منه الجميع وأنا واحد من هؤلاء الذين يدينون للأستاذ بالفضل فقد تعلمت على يديه الكثير والكثير.
اقتربت من الأستاذ صالح كثيرا فى العقد الأخير وكان لى شرف العمل معه فى الديسك يوم الجمعة من كل أسبوع ضمن كتيبة عدد السبت التى كانت تشرف بقيادته الرائعة ومعنا عدد من الأساتذة الكبار مثل يحيى على وشريف نبيه وماهر عباس والسيد عبدالجواد ومحمد زين العابدين ومحمد عبدالحميد مع حفظ الألقاب طبعا بالإضافة الى الزملاء الشباب فكنا اقرب الى روح الاسرة الواحدة التى يجمعها الحب والود والاحترام المتبادل.. لم نكن فى يوم عمل عادى بقدر ماكنا فى رحلة سعيدة رائعة نتشارك فيها كل شيء من طعام وشراب وصلاة وسمر وضحك وطبعا كثير من العمل والاجتهاد والابداع حتى يخرج عدد السبت متميزا يليق بكتيبة رائعة يقودها العملاق صالح إبراهيم.. وأشهد الله اننى ما رأيت أحدا أكثر إخلاصا وحبا لعمله اكثر من صالح إبراهيم فقد كابد المرض وجاهد التعب وقهر السن وحطم اكذوبة الشيخوخة وظل يعمل ويعمل حتى اخر نفس.. ولما ألم به المرض وسيطر عليه وألزمه الإقامة فى المستشفيات مابين غرف الرعاية والإفاقة لم يتوقف عن العمل والابداع فكان يدعو كريمته الصبورة زميلتنا المتألقة أمانى لكى يملى عليها تحليلاته الفنية العميقة لمباريات الأهلى عشقه الأكبر ثم المنتخب القومى فى مشواره الحالى فى كأس العالم .
رحم الله الأب والمعلم والأستاذ صالح إبراهيم الذى أحاطنا جميعًا بحبه وحنانه وسقانا من معين خبراته الطويلة وتجاربه العديدة وسيظل اسمه وعمله وفكره وكفاحه خالدا بيننا ولن ننساه أبدًا.. وخالص العزاء لأسرته الصغيرة وأهله ومحبيه.. والعزاء الأكبر لأسرته الكبيرة.. جريدة الجمهورية وكل إصدارات دار التحرير التى تشرفت وتزينت بمقالاته.. والعزاء أيضًا لأسرة الصحافة المصرية التى فقدت رائدًا واستاذًا ومفكرًا عشق مهنته فعشقته وأغدقت عليه من اسرارها وفنونها وفتحت له وعليه من كنوزها الإبداعية وهبات الخالق الوهاب.









