فى سجلات الأمم، هناك لحظات فاصلة لا تُقاس بنتائجها الآنية فحسب، بل بما تحمله من شحنات معنوية، وما وصل إليه منتخب مصر لكرة القدم، وهو يقف على أعتاب دور الـ32 فى كأس العالم 2026، ليس مجرد إنجاز رياضى عابر، بل هو رسالة ذات أبعاد تتجاوز خطوط الملعب الأخضر إلى فضاء الإرادة الوطنية.
عندما يُكتب عن كرة القدم فى مصر، لا يُكتب عن لعبة، بل عن «حالة شعبية» تتحول فيها الملاعب إلى برلمانات شعبية، واللاعبون إلى ممثلين لطموح شعب يبحث عن منصة للفخر فى عالم متغير، وغداً فى لقاء منتخب أستراليا، لا يواجه المصريون فريقًا رياضيًا فحسب، بل يواجهون اختبارًا نفسيًا وإستراتيجيًا.
فى التحليل الإستراتيجى لأى موقعة، سواء كانت عسكرية أو رياضية، يتفق الخبراء على أن الخطط الفنية والمهارات الفردية، رغم أهميتها، ليست هى العامل الحاسم فى اللحظات المصيرية، الفارق الحقيقى يصنعه «العامل المعنوى»، تلك الثقة الراسخة التى تجعل اللاعب يؤمن بأن الفوز ليس مجرد احتمال، بل هو قدر يجب تحقيقه.
منتخبنا بقيادة العميد حسام حسن، يدرك جيدًا أن الوصول إلى دور الـ32 فى نظام البطولة الجديد «48 منتخبًا» هو إنجاز بحد ذاته، لكن التاريخ لا يرحم من يتوقف عند حد الإنجاز الجزئي، حسام حسن بخبرته الطويلة كلاعب ومدرب، يعرف أن المباراة ضد أستراليا ليست مجرد 90 دقيقة، بل هى إدارة لـ «ملف ضغط».
فى قلب هذه المعادلة، يبرز محمد صلاح ليس فقط كقائد فنى، بل كـ «رمز»، فلم يعد ذلك الشاب الصاعد، بل أصبح «الحكيم» الذى يحمل تجربة أندية القمة الأوروبية على كتفيه، وجوده فى المقدمة يرسل رسالة طمأنينة للجماهير، ورسالة ضغط للخصم، لكن الأهم من مهارته الفردية هو قدرته على نقل هذه الثقة لزملائه، وتحويل ثقل المسئولية من عبء إلى دافع، وتاريخيًا، عندما تحملت الرموز المصرية مسئولية اللحظة، كانت النتائج استثنائية.
فى كأس العالم حيث الضغوط الإعلامية هائلة، والتوقعات قد تكون غير واقعية، يصبح دور الجماهير حاسمًا، والجمهور المصرى معروف بشغفه، لكن الشغف يجب أن يتحول إلى «دعم إستراتيجى»، لا إلى ضغط عصبي، حين يشعر اللاعبون بأن ظهرهم محمى بثقة شعبهم، فإنهم يلعبون بحرية أكبر، ويخاطرون بجرأة أكثر، أما إذا تحولت المدرجات إلى قاعة محاكمات، فإن الثقل النفسى قد يشل الحركة، لذا فإن الدعوة للتماسك هى دعوة لحماية «الجبهة الداخلية» قبل خوض المعركة الخارجية.
فى النهاية.. سواء انتهت المباراة بفوز أو خسارة، فإن ما يهم فى هذه اللحظة هو «الصورة» التى ستقدمها مصر للعالم، «فريق منظم، قائد واثق، مدرب صاحب رؤية، وجماهير واعية».
كأس العالم 2026 قد تكون محطة فى طريق طويل، لكن اللحظات التاريخية لا تُصنع إلا بالجرأة، والعميد حسام حسن، ومحمد صلاح، والكتيبة الحالية، لديهم الفرصة لكتابة فصل لا يمحوه الزمن. فالرياضة، فى جوهرها، تجسيد لإرادة الحياة، ومصر بحضارتها وشعبها تستحق أن تكون دائمًا فى المقدمة.
كما كان يقول المؤرخون: «الأمم لا تُقاس بعدد سكانها، بل بحجم أحلامها» وحلم مصر فى هذا المونديال ليس مجرد كأس، بل هو تأكيد على أن الإرادة المصرية حين تجتمع لا تقف أمامها حدود.









