لابد أن نعترف بأنه لابديل عن التعاون والعمل المشترك لتحقيق الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل، ولابد أن نتيقن من أن أي خروج عن هذا « الإطار التعاونى» لايقتصر تأثيره السلبى على بلد واحد أو عدد من البلدان العربية فقط ، وإنما يضير المنطقة كلها، لذا فإن أي حديث «تشاؤمى» عن التعاون العربي والوحدة العربية فى هذه المرحلة بالتحديد مرفوض، حتى لو استمرت بعض التعقيدات والعراقيل التى حالت دون تحقيق هذا الهدف ، رغم الجهود الكبيرة التى بذلتها مصر وعلى مدى عقود ، نعم فقد بذلت مصر جهودا جبارة فى هذا الصدد لحماية الأمة من الصراعات والعدائيات خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق، وواجهت للإرهاب و بعد مخططات تقسيم المنطقة وتصدت بكل حسم لمحاولات إسرائيل المستمرة لطي قيد القضية الفلسطينية وسرقة الأراضى العربية المحتلة، أضف إلى ذلك دعم القاهرة الحالى والمستمر لدول الخليج في مواجهة الإنتهاكات الإيرانية ، لتشكل هذه المواقف جانبا يسيرا من جهود مصر العديدة التي استهدفت في الأساس الحفاظ على الأمة وحماية أمنها واستقرارها، أيا ما كانت الضغوط والتداعيات.
>>>
هكذا هي الصورة التي يجب أن نتعرف على تفاصيلها ونحن نستكمل الحديث عن جامعة الدول العربية وطموحاتنا في دور مغاير وأكثر فعالية بعد تعيين السفير نبيل فهمي أمينا عاما للجامعة العربية و في ظل تطورات إقليمية ودولية سريعة ومتلاحقة ، تجبرنا نحن العرب على استعادة الحلم القديم» بالوحدة والتعاون الاقتصادي والدفاع المشترك» وتحويل هذا الحلم إلى واقع عربي أصيل، ليس من باب « الترف والشعارات الرنانة» التي أطلقت في فترات سابقة ، ولكن من منطلق ضرورات الأمن القومى العربى وفى ظل الحقائق التالية:
> المساحة الكبيرة للوطن العربى « 14 مليون كيلومتر مربع « وعدد السكان العرب « أكثر من 500 مليون مواطن « إلى جانب موقع الدول العربية الجيبولتيكي المهم فى قلب العالم، وإشرافها على عدد من البحار والمضايق والممرات الملاحية ، وكلها أمور تتطلب توفير كافة أشكال التنسيق والحماية.
> الثروات الاقتصادية التي يتمتع بها العرب وفي الصدارة منها الثروة النفطية إلى جانب توافر المعادن والمحاصيل الزراعية كافة والتى تزيد من الأطماع الأجنبية في السيطرة على المنطقة واستغلال ثرواتها.
> الفجوة العلمية الكبيرة بين الدول العربية ودول أخرى بالمنطقة والعالم، والتى ساهمت فى تأخر التنمية المستدامة وعدم توطين الصناعة، وإضطرار الدول العربية إلى استيراد معظم احتياجاتها الصناعية .
> الفجوة الدفاعية بين الدول العربية وأقرب جيرانها والتي تجعل من هذه الدول هدفا سهلا للاعتداءات المختلفة، إضافة إلى أطماع إسرائيل بتصفية القضية الفلسطينية وتنفيذ مخططاتها الاستعمارية بالمنطقة.
> الإستهداف المستمر للدول العربية من قبل قوى أجنبية والمحاولات المستمرة لتقسيم هذه الدول بإستخدام الإرهاب وحروب الجيل الرابع لإشعال الفتنة والفوضى في البلاد العربية .
> منح إسرائيل المجال لمواصلة تطوير سلاحها النووي وتنفيذ مخططاتها بقضم الأراضى الفلسطينية المحتلة والتوغل فى سوريا ولبنان تمهيدا للسيطرة على كل المنطقة.
>>>
هذه الحقائق إلى جانب ما كشفت عنه الحرب في إيران من تعرية بعض المواقف الدولية وتخلي الولايات المتحدة عن دورها ، منحت الشعوب العربية فرصة للإفاقة وقراءة المشهد الأمنى فى المنطقة بعيون الواقع والحقيقة التى تتطلب إعادة ترتيب «بيت العرب» والدفع بدور الجامعة العربية إلى الأمام لتعويض ما فات، وهنا نتوقف عند بعض الملاحظات التي قد تساعد في تحقيق هذا الهدف على المديين المتوسط والبعيد، الملاحظة الأولى هى : أن العالم يمر بمرحلة ميلاد جديدة وظهور نظام عالمى مغاير للنظام الحالى، تبرز فيه أهمية التحالفات والتكتلات الإقليمية لمواجهة التغيرات الحادة والأطماع الإستعمارية الجديدة ، والملاحظة الثانية تتعلق بوعى الشعوب العربية وإدراكها بأنه لا مجال الآن للخلافات المعتادة وأن المصلحة العليا للعرب تتطلب مزيد من التلاقى والتعاون وتوفير المزيد من القدرات العسكرية للدفاع عن مكتسبات الأمة وثرواتها، أما الملاحظة الثالثة فهى مرتبطة بالواقع المأزوم الذى تعيشه بعض الدول العربية التى تعانى من أزمات اقتصادية تتطلب تكتاف الجميع لإنهاء هذه الأزمات والتفرغ لمعالجة القضايا الملحة بالمنطقة.
>>>
الملاحظة الأخيرة في هذا السياق تتعلق بضرورة إصلاح الجامعة العربية بما يمكنها من آداء دورها المأمول، وحسب الدراسات السياسية فإن أهم آليات الإصلاح تتضمن تعديل ميثاق الجامعة بأن يكون نظام التصويت على القرارات بالأغلبية وليس بالإجماع لضمان عدم تعطيل قرارات الجامعة وتحقيق ما تتطلع إليه الشعوب العربية من تقدم وتطور وحماية للأمن القومى العربى، أيضا تحقيق التعاون المشترك في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية وتنفيذ اتفاقية الدفاع العربى المشترك، لمواجهة العدائيات ضد الدول العربية كما حدث مؤخرا من إيران ويحدث كل يوم من إسرائيل، والأهم: مواجهة ما قد يهدد الدول العربية فى المستقبل القريب من العودة لتنفيذ مخططات التقسيم والتفتيت.









