روح مصر ووجدانها .. اهتمام استثنائى بتطوير وتجديد مساجد «آل البيت»
أكثر من ١٤ ألف مسجد جديد ومجدد منذ ٢٠١٤ بتكلفة تتجاوز ٢٧ مليار جنيه
رعاية الرئيس
لعمارة دور العبادة وحرصه على افتتاحها بنفسه.. السر وراء خروجها بهذا المستوى المشرف اللائق بـ« الجمهورية الجديدة»
مسجد.. مصر الكبير
.. أيقونة العمارة الإسلامية
فى القرن الحادى والعشرين.. الأكبر فى إفريقيا والثالث فى الشرق الأوسط بعد الحرمين الشريفين

لا تقاس فريضة عمارة الأرض بما يشيّد فوقها من مبانٍ فقط، ولا تُكتمل حضارة الأمة بما يُرفع من قباب ومآذن دون أن يترافق ذلك مع نهضة فى الفكر وتجديد فى الخطاب.
من هذا الفهم المزدوج انطلقت رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسى
منذ اليوم الأول لتوليه مقاليد السلطة فى يونيو 2014؛ رؤية تجمع بين إعمار البيوت التى يُذكر فيها اسم الله وإعمار العقول التى تحمل هذا الدين وتُبلّغه للعالم.
والفصل الذى بين يدى القارئ الكريم محاولة لرصد هذين المسارين المتلازمين: مسار البناء والتشييد، ومسار الإصلاح والتجديد، بما يُقدّمه من شواهد وأرقام ومحطات دالّة على أن مصر تعيش — فى هذه المرحلة بالذات — نقلة نوعية فى علاقتها بمؤسساتها الدينية وخطابها الروحى.
منذ يوليو 2014 حتى مايو 2026، بلغ إجمالى المساجد التى أُحلّت وجُدِّدت وأُنشئت ورفعت كفاءة أكثر من 14,607 مساجد، بتكلفة إجمالية تجاوزت 27 مليارا و746 مليون جنيه مصرى، وهو رقم لم تشهد له مصر الحديثة مثيلًا فى أى حقبة سابقة، ليُمثّل فى حد ذاته أضخم مشروع لإعمار بيوت الله فى تاريخ الجمهورية.
هذه المسيرة لم تتوقف خلال الأعوام الماضية وسوف تستمر بإذن الله حتى أن شهر مايو الماضى 2026 وحده، افتتحت الوزارة 31مسجدًا جديدًا دفعةً واحدة، ضمن خطة متواصلة لا تهدأ، وصل خلالها عدد المساجد المفتتحة منذ يوليو 2025 إلى 1,118 مسجدًا.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة، بل هى تعبير ملموس عن فلسفة الدولة فى التعامل مع بيوت الله بوصفها ركيزة من ركائز البنية المجتمعية، لا ترفًا إنشائيًّا ولا زينةً للواجهات.
مسجد مصر الكبير: أيقونة العمارة الإسلامية فى القرن الحادى والعشرين
فى الأول من رمضان 2023، وقف الرئيس عبدالفتاح السيسى أمام الميكروفون ليُعلن افتتاح صرح استثنائى فى قلب العاصمة الإدارية الجديدة: مسجد مصر الكبير، المعروف بالمركز الثقافى الإسلامى المصرى. المسجد الذى يقع على مساحة 19,100 متر مربع، ونُفِّذ بإشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وشركة المقاولون العرب بتكلفة تجاوزت 800 مليون جنيه، لم يكن المسجد مجرد مبنى للعبادة، بل كان إعلانًا معماريًّا وحضاريًّا عن هوية الجمهورية الجديدة. ويتبوّأ هذا الصرح اليوم مكانة أكبر مسجد فى أفريقيا، وثالث أكبر مسجد فى الشرق الأوسط بعد الحرمين الشريفين. وفى يناير 2025 أُضيف المسجد رسميًّا إلى إشراف وزارة الأوقاف ليصبح جزءًا من المنظومة الدينية الوطنية.
ما يميز هذا الصرح ليس ضخامته وحدها، بل رمزيته العميقة: فقد وقع اختياره فى قلب الحى الحكومى بالعاصمة الإدارية، ليقول للعالم بلغة الحجر والمعمار إن الدولة المصرية الجديدة تبنيها وتُقيمها جنبًا إلى جنب بيوت الله، وأن الروح لا تُفصل فى هذه الرؤية عن الدولة والمدنية.
مساجد آل البيت: صون الإرث وتجديد الروح
ولم يكتفِ الرئيس السيسى بالبناء الجديد، بل أولى اهتمامًا استثنائيًّا بتطوير وتجديد مساجد آل البيت التاريخية التى تمثل روح القاهرة ووجدانها الدينى والروحى. فقد شهدت مصر تحت إشرافه المباشر تطوير وإعادة إحياء عدد من أشهر المساجد فى تاريخ الإسلام، على رأسها:
– مسجد الإمام الحسين رضى الله عنه الذى يحتل مكانة روحية فريدة فى وجدان المصريين، وخضع لأعمال تطوير شاملة أعادت إليه بهاءه التاريخى مع استيعاب متطلبات العبادة الحديثة. وقد حرص الرئيس على حضور حفل افتتاحه بنفسه، إدراكًا منه للمكانة الرمزية لهذا الصرح فى قلوب المصريين.
– مسجد سيدنا عمرو بن العاص الذى يعدّ أول مسجد بُنى فى مصر وإفريقيا على الإطلاق، وهو شاهد تاريخى على الفتح الإسلامى وعلى الحضارة الإسلامية فى ربوع وادى النيل. وقد ناله من أعمال التجديد ما يليق بمكانته التأسيسية فى الذاكرة الإسلامية.
– مسجد الظاهر بيبرس الذى يرمز إلى عز الدولة الإسلامية فى مواجهة الغزو المغولى، وأُعيدت إليه مكانته التاريخية الاستثنائية بعد عقود من الإهمال.
– مسجد السيدة نفيسة رضى الله عنها، ومسجد السيدة فاطمة النبوية، ومسجد الحاكم بأمر الله؛ وهى مساجد تمثل أوتارًا حيّة فى السيمفونية الروحية للقاهرة الإسلامية، جُدِّدت جميعها فى إطار مشروع متكامل لاستعادة الهوية الإسلامية للمدينة.
إن اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسى بعمارة بيوت الله عز وجل وتوجيهه بتطوير مساجد آل البيت بما يليق بمكانتها وحرصه على افتتاح هذه المساجد بنفسه كان الداعم الأكبر لخروجها على هذا المستوى المشرف الذى يليق بمكانة هذه المساجد وبجمهوريتنا الجديدة.
مساجد الأسمرات ــ حين يُقيم الفقراء بيوتًا لله
لا تكتمل صورة إعمار بيوت الله فى عهد الرئيس السيسى دون الوقوف أمام مشروع الأسمرات بحى المقطم فى القاهرة، ذلك المشروع الإنسانى الضخم الذى حوّل أحد أكبر أحياء العشوائيات فى مصر إلى مدينة سكنية متكاملة على مساحة 185 فدانًا استوعبت أكثر من 15 ألف أسرة نُقلت من مناطق خطرة آيلة للسقوط. فى قلب كل مرحلة من مراحل هذا المشروع الثلاث — التى افتتح أولاها الرئيس بنفسه عام 2016 ومراحلها المتتالية عام 2020 — أُدرج مسجد حيّ راسخ ليكون بيت الروح وسط بيوت الجسد.. مسجد «تحيا مصر» فى الأسمرات 3، الذى افتتحه وزير الأوقاف السابق ومحافظ القاهرة فى ديسمبر 2020 بين مبانٍ اكتظّ بها أكثر من 7000 أسرة، هو مثالٌ نابضٌ على أن الدولة فى عهد الرئيس السيسى لا تُسكّن الناس من الجوع والخوف وحسب، بل تُسكّن أيضًا روحانيتهم وانتماؤهم بين أحياء الكتلة البشرية الكبيرة. فى هذا الحى الذى وُلد من رحم المعاناة، يُقيم المصريون صلواتهم اليومية فى بيت الله، وهم يحملون دليلًا معماريًّا حيًّا على أن إعمار الأرض ليس للأثرياء وحدهم.
مسجد العلى العظيم ــ المسجد الجامع نموذجًا للتنمية المجتمعية
فى 28 فبراير 2025، وقف رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى فى منطقة ألماظة بالقاهرة ليفتتح مسجد العلى العظيم، ليس بوصفه مجرد دار للعبادة، بل بوصفه الخطوة الأولى فى مشروع وطنى شامل لإنشاء المساجد الجامعة فى كل محافظات الجمهورية.
المسجد الذى شرعت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة فى بنائه فى يوليو 2023 وأتمّته فى أقل من عامين، يجسّد بأجلى صورة فلسفة المسجد الجامع التى تبنّاها الرئيس السيسى، مسجد يجمع الناس لا إلى الصلاة وحدها، بل إلى الخدمة والبناء الاجتماعى. فهو يتسع لخمسة آلاف مصلٍّ على مساحة 8100 متر مربع فى ثلاثة طوابق، وبداخله مصلى للسيدات وحضانتين للأطفال ومكتبة وغرفة لتحفيظ القرآن الكريم وثلاث قاعات للمناسبات وخمس عيادات طبية وموقف واسع للسيارات وفصول تعليمية. وقد وصف وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهرى هذا المسجد بأنه «تجسيد حقيقى لفكرة المسجد الجامع الذى يجمع الناس وجميع الخدمات التى يحتاجون إليها لتحقيق معانى البناء المادى والروحى والفكرى والمجتمعى».
رؤية الرئيس لتجديد الخطاب الدينى ــ من النداء إلى البرنامج
الخطاب التأسيسى: يوم الأول من يناير 2015
لا يمكن الحديث عن تجديد الخطاب الدينى فى مصر دون العودة إلى تلك المحطة الفارقة فى الأول من يناير 2015، حين وقف الرئيس السيسى فى رحاب جامعة الأزهر الشريف أمام حشد من العلماء والمشايخ، وألقى خطابًا سيظل علامة فارقة فى تاريخ العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة الدينية فى مصر المعاصرة. لم يكن الرئيس يُلقى كلمة مجاملة أو خطابًا احتفاليًّا، بل كان يُطلق نداءً حضاريًّا عميقًا موجهًا إلى العلماء والمفكرين والأمة بأسرها.
قال الرئيس يومها ــ وقد أصبحت كلماته مرجعًا فى كل حوار عن الإصلاح الدينى: «أريد أن أقول هنا، بكل وضوح وبدون أى لبس أو أى خجل، أننا نحتاج ثورة دينية». وأضاف فى سياق لافت: «هل يعقل أن الفكر الذى نقدّسه يجعل الجزء الأكبر من الأمة الإسلامية مصدرًا للقلق والخطر والوحشية فى سائر العالم؟». ثم وجّه الخطاب مباشرةً: «هذا الكلام كله يرجع إلينا، يرجع إلى أئمة الدين، إلى علماء الدين».
كان الرئيس يُدرك تمامًا أنه يضع يده على جرح بالغ: منظومة خطابية متوارثة تتضمن مفاهيم وصياغات تصادمت مع متطلبات العصر وأفرزت بيئات لا تتوافق مع قيم المواطنة والتعايش والانفتاح على الإنسانية. ولم يكن خطاب يناير 2015 ، سوى فاتحةً لمشروع متكامل أسفر عنه فى الســنوات التالية عشــرات القــرارات والمبادرات والبرامج.
الرؤية فى عمقها الفلسفى: ماذا يريد الرئيس تحديدًا؟
رؤية الرئيس السيسى لتجديد الخطاب الدينى رؤية متماسكة ذات أبعاد ثلاثة متشابكة:
البعد الأول: الفصل بين الدين الحق والموروث الفكرى المُقدَّس
يُميّز الرئيس فى خطاباته المتكررة بين الإسلام بوصفه وحيًا إلهيًّا ثابتًا، وبين الفقه والموروث التفسيرى بوصفه اجتهادًا بشريًّا قابلًا للمراجعة. وهو يرى أن جزءًا كبيرًا مما يُقدَّم باعتباره «إسلامًا» ليس سوى تراكمات تاريخية وإسقاطات ظرفية نسبها أصحابها إلى الدين، فأصبحت ذات قداسة لا تُمسّ. وهذا الفصل الجريء بين الثابت والمتحوّل هو مدخل الإصلاح الحقيقى عنده.
البعد الثانى: الخطاب الدينى فى خدمة الإنسان لا الإنسان فى خدمة الخطاب
يؤمن الرئيس بأن الدين جاء لتحرير الإنسان وتعزيز كرامته وتوفير شروط حياته الكريمة، لا لتقييده أو احتقاره أو تخويفه من الله والناس. ومن ثَمّ فإن كل خطاب دينى يُكرّس الخوف ويحتقر الجسد ويُنتج عزلة الأمة عن العالم هو خطاب يحتاج إلى مراجعة جذرية. فى خطاباته يعود مرارّا إلى مفهوم «صحيح الدين» بوصفه دينًا يُعلى من شأن العقل ويُكرّم الإنسان ويُنتج إبداعًا وعمرانًا وإسهامًا حضاريًّا.
البعد الثالث: الخطاب الدينى مسئولية الدولة بقدر ما هو مسئولية العلماء:
يرفض الرئيس الفصل الحاد بين الدولة والمؤسسة الدينية فى مسألة الخطاب، لأن تداعيات هذا الخطاب تمسّ الأمن القومى والسلم الاجتماعى والصورة الخارجية للبلاد. وهو لا يُريد دولة تُلغى استقلالية العلماء، بل دولة تضع الإطار العام ومتطلبات العصر أمام العلماء ليُجيبوا عنها بعلمهم وفقههم، لا أن ينأوا بأنفسهم فى أبراج عاجية بعيدة عن تحديات الواقع.
المحطات الكبرى فى مسيرة التجديد
مؤتمر تجديد الخطاب الدينى: الإطار المؤسسى
حوّلت الدولة المصرية النداء الرئاسى إلى مؤسسة، فانطلقت سلسلة من المؤتمرات والندوات التى تناولت تجديد الخطاب الدينى بوصفه أولوية وطنية. وتولّت كل من وزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية قيادة هذا الملف بتوجيهات رئاسية مباشرة. وكان المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى دورته الثانية والثلاثين عام 2022 مثالًا صارخًا، إذ انعقد تحت عنوان «عقد المواطنة وأثره فى تحقيق السلام المجتمعى والعالمى»، ليُقرّ مفهومًا جوهريًّا: أن الانتماء للوطن ليس مجرد رابطة جغرافية بل عقد أخلاقى يشمل الحقوق والواجبات ويُسقط كل خطاب يُشكّك فى هذا الانتماء.
المبادرة الدولية: مصر تُصدّر نموذج الوسطية
على الصعيد الدولى، تبنّى الرئيس السيسى مبادرة واسعة لتصدير نموذج الإسلام الوسطى المصرى، ودعم تأسيس مؤسسات تحمل هذا الخطاب إلى العالم. وفى هذا السياق جاء دعم مصر للكثير من المبادرات التى أطلقتها المؤسسة الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الافتاء المصرية، بهدف تعزيز السلم ونشر قيم الحوار والتسامح والتعايش الإنسانى. كما التقى السيد الرئيس برموز المؤسسة الدينية والوفود المشاركة فى مؤتمراتها ودعا إلى إصدار فتاوى تُرسّخ ثقافة السلام وتُحارب التطرف وترفض ربط الإرهاب بالإسلام.
مشروع توحيد الخطبة
كان من أبرز القرارات الإجرائية التى تُعبّر عن هذه الرؤية قرار توحيد خطبة الجمعة على المستوى الوطنى، وهو قرار كان مثيرا للجدل لدى بعض العلماء لكنه حمل فى طيّاته رسالة واضحة مفادها أنه لن يُترك المنبر ساحةً مفتوحة لكل من أراد أن يُلقى بأفكاره فى الفضاء الاجتماعى دون رقابة أو إطار. كان هدف القرار تحقيق حدٍّ أدنى من الانسجام فى الخطاب الدينى الشعبى، وحماية المستمعين من التشويش العقدى والفكرى الذى أنتج بيئات مناسبة للتطرف فى عقود سابقة.
تأهيل الأئمة: حين يلتقى الانضباط والفقه
ربما لا يوجد مشهد يُعبّر عن رؤية الرئيس للتجديد بأوضح من مشهد احتفاليات تخريج دورات تأهيل الأئمة. فى أبريل 2025 أشرف الرئيس بنفسه على حفل تخريج الدفعة الثانية من برنامج تأهيل أئمة وزارة الأوقاف الذى أُقيم فى الأكاديمية العسكرية المصرية وضمّ 550 إمامًا استمر تدريبهم 24 أسبوعًا. وقد وجّه الرئيس فى هذا الحفل رسالة جوهرية قال فيها: «وجّهت وزارة الأوقاف، بالتعاون مع مؤسسات الدولة الوطنية وعلى رأسها الأكاديمية العسكرية المصرية، بوضع برنامج تدريبى متكامل يُعنى بصقل مهارات الأئمة علميًّا وثقافيًّا وسلوكيًّا، بهدف الارتقاء بمستوى الأداء الدعوى وتعزيز أدوات التواصل مع المجتمع، ليكون الإمام نبراسًا للوعى، متمكنًا من البيان، بارعًا فى الإقناع، أمينًا فى النقل، حاضرًا بوعيٍ نافذ وإدراكٍ عميق لمختلف القضايا الفكرية والتحديات الراهنة».
هذا التصريح يُلخّص المشروع التجديدى بأسره، فالإمام ليس مجرد مؤدٍّ للشعائر، بل هو قائد مجتمعى ومُثقَّف وطنى وحارس للسلم الاجتماعى وخط دفاع أمام التطرف والتشدد. وهو توصيف يُشير إلى تحوّل جذرى فى فلسفة الدور الوظيفى للإمام فى التصور الرسمى المصرى.
الرئيس ومنظومة المؤسسات الدينية: توجيه لا إملاء
سمة بارزة فى أسلوب الرئيس تجاه الملف الدينى هى أنه يُوجّه ويُوجّه ويُوجّه، لكنه يُبقى على استقلالية المؤسسات الدينية الكبرى فى إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية. فى مايو 2024 عقد الرئيس لقاءً مع وزير الأوقاف السابق لمتابعة تأهيل الأئمة وخطط الإيفاد الدولى، ووجّه بـ»انتقاء أفضل العناصر من الأئمة والقراء وإعدادهم بصورة متميزة قبل سفرهم للخارج بما يُسهم فى أداء رسالتهم على الوجه الأكمل»، مؤكدا أن مصر لا تزال تحمل دورًا رياديًّا فى نشر الإسلام الوسطى خارج حدودها.
وفى السياق ذاته أكد الرئيس على أهمية تطوير الخطاب الدينى فى الفضاء الرقمى، حيث تناول لقاء مايو 2024 مع وزير الأوقاف السابق مسألة المؤتمر الدولى للوزارة الذى سيُركّز على «دور الوسائل الإلكترونية الحديثة فى الخطاب الدينى فى إطار توجّه الدولة نحو التحوّل الرقمى فى مختلف المجالات».
التجديد فى مواجهة التطرف: الخطاب بوصفه خطًّا دفاعيًّا
لا يمكن فهم مشروع تجديد الخطاب الدينى فى عهد الرئيس السيسى دون استيعاب السياق الأمنى الذى نشأ فيه. فقد ورثت مصر فى يوليو 2014 مجتمعًا مشبّعًا بخطاب دينى متشدد، وشهدت فى السنوات اللاحقة تحديات جسيمة من جماعات إرهابية وصّفت أفعالها الدموية بالجهاد ووجدت فى التفسيرات الدينية المتشددة غطاءً لها. من هنا كان تجديد الخطاب الدينى عند الرئيس مشروعًا وقائيًّا قبل أن يكون مشروعًا فلسفيًّا.
الوثائق الدولية والشراكات المؤسسية: مصر فى الصدارة
يُدرك الرئيس السيسى أن معركة الخطاب الدينى لا تُخاض محليًّا فحسب، بل هى معركة دولية تستلزم مؤسسات وتحالفات وصياغات مشتركة عابرة للحدود. وفى هذا الإطار، دعمت مصر جملةً من الوثائق والمبادرات الدولية التى ترسّخ مفاهيم التسامح والوسطية وترفض تديين العنف، وعلى رأسها وثيقة مكة المكرمة التى صادق عليها أكثر من ألف ومئتى مفتٍ وعالم من مئة وتسعة وثلاثين دولة تحت مظلة رابطة العالم الإسلامى.
إعمار المعنى ــ حين تتّسق الكلمة والفعل
ربما كانت أبلغ لحظات الاتساق بين الخطاب والفعل فى مسيرة الرئيس السيسى تلك اللحظة الفجرية فى الأول من رمضان 2023، حين أدّى صلاة الفجر فى مسجد مصر الكبير بالعاصمة الإدارية الجديدة بصحبة كبار رجال الدولة. لم يكن ذلك مجرد مراسم افتتاح، بل كان رسالة فى حد ذاتها: أن الرئيس الذى دعا إلى ثورة دينية جاء يُصلى الفجر فى أكبر مسجد فى أفريقيا الذى بناه، جمعًا بين قول وفعل وشاهد حيّ.
وفى موازاة البناء المادى، تتواصل جهود إعمار المعنى على مستوى التعليم الدينى وتطوير منظومة الإمامة. فمنذ أن وجّه الرئيس فى نوفمبر 2022 بتطوير برامج تدريب وتأهيل الأئمة لنشر الخطاب الدينى المستنير الذى «يهدف إلى إعمال العقل فى فهم مستجدات الحياة وفق صحيح الدين وثوابت الشرع الشريف، وملء أى فراغ دعوى كان قائمًا من قبل»، وحتى اليوم، صار المنبر المصرى فى معظمه يحمل خطابًا أكثر إيجابيةً وعمقًا وانفتاحًا من ذى قبل.
«الجمهورية الجديدة» ومسجدها الكبير
يخطئ من يقرأ مشروع إعمار الخطاب الدينى فى عهد الرئيس السيسى بوصفه مجرد حملة إنشائية أو توجيهية معزولة. فما يجرى فى مصر هو محاولة جادة لإعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، بعيدًا عن المقاربتين الخاطئتين معًا: مقاربة الاستغراق الأيديولوجى التى تحوّل الدين إلى برنامج سياسى، ومقاربة الإقصاء الذى يختزل الدين فى طقوس فردية بعيدة عن الفضاء العام.
ما يبنيه الرئيس — مسجدًا كبيرًا هنا، وبرنامجًا تأهيليًا هناك، وخطابًا دوليًّا فى ثالثة — هو نموذج مصرى خاص لتجديد الحضور الإسلامى فى المشهد المعاصر: حضور يُقاوم التطرف بسلاح العلم والفقه، ويُواجه الإسلاموفوبيا بسلاح الإنجاز والحضارة، ويُعيد تقديم الإسلام بوصفه دين الرحمة والعمران والحياة.
كان الرئيس السيسى صريحًا حين قال إنه يريد ثورة دينية. وهو يبنى هذه الثورة حجرةً فوق حجرة، وفكرةً بعد فكرة، فى بلد جعله التاريخ منذ آلاف السنين عاصمةً للحضارة وموئلاً للرسالات. والمسجد الكبير الذى يقف اليوم فى قلب العاصمة الإدارية الجديدة ليس مجرد بناء يُحتفى به فى موسوعات العمارة، بل هو شاهد من حجر وأسمنت على مشروع أكبر: مشروع الجمهورية الجديدة التى تُريد أن تكون جديدة فى مبانيها وجديدة فى أفكارها وجديدة فى فهمها لما يعنيه أن تكون.









