اللحظات الحاسمة هى التى ترسم خرائط الأوطان وتحدد مصير الشعوب.. لذلك ستظل ثورة 30 يونيو بعد مرور 13 عامًا، واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا فى التاريخ المصرى الحديث.. لحظةٌ لم تكن مجرد حراك سياسي، بل مفصل تاريخى وضع الدولة أمام اختبار البقاء ..ومع تباعد المسافة الزمنية، يبرز سؤال افتراضى جوهرى عن المصير الذى كان ينتظر الدولة المصرية حال عدم قيام ثورة 30 يونيو؟ .. حيث يضعنا ذلك السؤال الافتراضى أمام رؤى تحليلية تتقاطع حول حقيقة أن تلك المرحلة لم تكن مجرد أزمة سياسية عابرة.. بل كانت «حصارًا ممنهجًا» يستهدف أمن سيناء، ونسيج الدولة المؤسسى، والهوية الوطنية .. رأى الخبراء فى شئون الجماعات المتطرفة وأساتذة العلوم السياسية والاقتصاد وخبراء الأمن، أن الثورة لم تكن مجرد «طوق نجاة» حال دون انزلاق البلاد إلى حرب أهلية واقتتال داخلى فحسب، بل كانت ضرورة حتمية للحفاظ على بقاء الدولة ذاتها من الانهيار تحت وطأة مشروعات «الأخونة» والتبعية للتنظيم الدولى.. مؤكدين أن القراءة المتأنية للوقائع تؤكد أن 30 يونيو لم تكن مجرد عملية تغيير لنظامٍ سقط شعبيًا، بل هى اللبنة الأولى التى تأسست عليها «الجمهورية الثانية».
د.ثروت الخرباوي- عضو مجلس الشيوخ والخبير فى شئون الجماعات الدينية للإجابة على سؤال شديد الأهمية « يرى أن المقدمات عنوان النتائج، ولذلك فإن التطورات التى شهدها عام الإخوان كانت تؤكد بما لا يدع مجالا للشك قيام ثورة 30 يونيو، وإذا فشلت وقتها كانت ستقوم فى 30 يوليو أو أغسطس أو أى وقت آخر، واليقين الذى لا يقبل الشك أن الثورة لم تكن ستفشل وأنها كانت ستستمر، وأنها ستلقى معارضة مسلحة من كتائب الإخوان وميليشياتهم، ولكنها كانت سوف تنتصر مقابل دماء الأبرياء الوطنين الذين رفضوا محاولات الإخوان اختطاف الوطن، وحدث بالفعل أن العديد من الشرفاء وأبطال الجيش والشرطة المصرية دفعوا أرواحهم ثمنًا لحماية الإرادة المصرية فى رفض الإخوان، لكن يقين الإخوان فى الحُكم جعلهم يسترخصون إراقة الدماء، حيث يعتبر الحُكْم هو الفريضة الأعلى عندهم.
مضيفا أن الإخوان كانت سياستهم تقوم على العناد، وبقاؤهم كان سيؤدى إلى حالة انقسام مجتمعي، بما قد ينعكس على الحياة السياسية والاجتماعية، وزيادة وتيرة الإرهاب والاغتيالات، وغلق القنوات الفضائية كلها وإلغاء القَمر الصناعى نايل سات، وهذا ما هدد به صفوت حجازى صراحة، وكانت العلاقة بين السلطة وبعض مؤسسات الدولة ستسوء جدًا، وهو ما كان قد ظهر بالفعل فى خلافات سياسية ودستورية حول دور القضاء والإعلام ومؤسسات أخري، وكانت ستنعقد محاكم يطلقون عليها محاكم الثورة لإرهاب المعارضة، وهذا ما كانوا ينوونه بالفعل، وكانت الضغوط الاقتصادية ستتزايد، مع عدم الاستقرار على الاستثمار والسياحة والعملة وفرص العمل، ولأن منهجية السياسة عند الإخوان مرتبطة بتنظيمهم الدولى ورؤيتهم للوطن مختلفة، لذلك كان سيتراجع الدور الإقليمى لمصر وتتغير أولوياته تبعًا للسياسات التى كانت ستتبناها الحكومة الإخوانية نظرًا لتبعيتها لأنظمة دولية وأجهزة غربية، كل هذا لم يكن الشعب سيتحمله، لذلك كانت الثورة ستقوم وتنجح مهما كانت مواجهات الإخوان.
فيما أوضح د. طارق فهمى – أستاذ العلوم السياسية، أن فترة حكم جماعة الإخوان شهدت محاولات واسعة لـ»أخونة» مؤسسات الدولة، بما شمل أجهزة الإعلام والنقابات والهيئات المختلفة، مؤكدًا أن الدولة المصرية لم تكن قادرة على تحمل استمرار هذا النهج فى إدارة البلاد، موضحا أن ثورة يناير أفرزت عن سيطرة الجماعة على مقاليد حُكم البلاد، وخلال هذا العام كان المسئول عن مقاليد حكم مصر لم يمارس دوره كرئيس للدولة بصورة مستقلة، وإنما كان، «مندوبًا للجماعة أكثر منه رئيسًا لمصر»، مشيرًا أن قراراته كانت خاضعة لتوجيهات الجماعة، وهو ما انعكس على أداء مؤسسة الرئاسة وأدى إلى تصاعد حالة الاحتقان السياسي، وأن اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية، وانضمام الملايين إلى مظاهرات 30 يونيو، جاء بهدف استعادة الدولة المصرية وتصحيح مسار ثورة 25 يناير، معتبرًا أنه لو لم تندلع ثورة 30 يونيو لكانت مصر معرضة لخطر الاقتتال الداخلى والانزلاق إلى حرب أهلية وانقسامات حادة، مشيرًا أن جماعة الإخوان كانت تروج لما أطلقت عليه «مشروع النهضة»، ذاك المشروع الوهمي، حيث كانت رؤية الجماعة لمصر تقوم على اعتبارها بوابة مشروع «دولة الخلافة»، وأنها كانت تسعى إلى إنشاء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة، تشمل أجهزة أمنية واستخباراتية، بل وتكوين قوة عسكرية على غرار الحرس الثورى الإيراني، مشددًا أن الأجهزة المعنية رصدت هذه المخططات ووثقتها، وأدرك الشعب المصرى الفارق بين إدارة جماعة ذات أهداف تنظيمية وإدارة دولة بحجم مصر، لافتًا أن استمرار الجماعة فى الحُكم كان سيترك آثارًا سلبية عميقة على مختلف قطاعات الدولة والمجتمع، وأن الأزمة الأساسية تمثلت فى اعتقاد الرئيس آنذاك أنه يحكم من خلال الجماعة، فى الوقت الذى كانت فيه تسعى إلى اختطاف الدولة وإحلال التنظيم محل مؤسساتها، معتبرًا أن محدودية أفق قيادات الجماعة ومفكريها كلفت مصر ثمنًا باهظًا ، مضيفًا أن الدولة اضطرت إلى إنفاق المليارات فى مواجهة الإرهاب، وهى أموال كان من الممكن توجيهها إلى مشروعات التنمية، ومنذ عام 2013 وحتى عام 2026 استطاعت مصر أن ترسخ مسارًا يقوم على الاستقرار الأمنى والسياسي، وهو ما وفَّر بيئة يمكن البناء عليها لتحقيق التنمية، مبينًا أن ثورة 30 يونيو أعادت الدولة المصرية إلى مسارها، وأعادت «حُكم مصر للمصريين .
بينما أشار العميد سمير راغب – الخبير العسكرى و الاستراتيجي، أن مصر كانت تقف قبل 30 يونيو 2013 أمام سيناريو كان يهدد وجود الدولة المصرية، وأن الوضع الأمنى كان يعكس دولة تحت الحصار، ولا ينكر منصف أن مصر كانت فى عام 2013 تشهد تفككًا منهجيًا فى منظومتها الأمنية، مضيفًا أن سيناء تحولت إلى بؤرة مفتوحة بينما تمددت التنظيمات المسلحة فى شبه الجزيرة بغطاء سياسى واضح، فى الوقت الذى تحولت فيه الحدود مع ليبيا إلى ممر مفتوح لتهريب السلاح، وشهدت الحدود مع قطاع غزة منظومة أنفاق تشغلها جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة، وأضاف أن استمرار هذا المسار كان سيؤدى إلى تحول سيناء إلى ما تحول إليه شمال مالى أو شرق ليبيا، بحيث تصبح مناطق خارج سيطرة الدولة، تحكمها جماعات مسلحة، وتتحول إلى مناطق لعمليات تستهدف عمق الدولة المصرية، وأن المؤسسة الأمنية كانت تتعرض لحصار ممنهج، حيث كان ضباط الشرطة يتعرضون للاغتيال، ومراكز الشرطة تتعرض للحرق، بينما كانت الدولة العميقة تتفكك قسرًا، مؤكدًا أن التفريط فى المؤسسة الأمنية لم يكن، عجزًا بقدر ما كان سياسة، وأن الدولة المصرية كانت تواجه عدة تحديات رئيسية كان من شأنها أن تؤدى إلى انهيارها، مشددا أن التحدى الأول كان فى التمدد الإرهابى داخل سيناء، لافتًا أن غياب الإرادة السياسية لمواجهة التنظيمات المسلحة كان سيحول سيناء إلى قاعدة إقليمية للإرهاب، ويشعل الحدود مع إسرائيل والأردن، ويضع معاهدة السلام تحت ضغوط لا تحتملها، وأن التحدى الثانى كان انهيار الدولة المؤسسية، موضحًا أن الجيش والشرطة والقضاء كانت جميعها تحت ضغط سياسى ممنهج للإخضاع أو التفكيك، وأن المؤسسة العسكرية كانت أمام خيارين؛ الخضوع أو المواجهة، إلا أن المواجهة جاءت بتفويض شعبى وشرعية مؤسسات وطنية، إلى جانب دعم إقليمى من دول الاعتدال العربي، وترحيب دولى من الدول الموازنة ذات التوجه المعتدل ، وأوضح أن التحدى الثالث كان تفتيت النسيج المجتمعي، حيث كان التقسيم على أساس الهوية الدينية يتسارع، والمواطنون الأقباط يتعرضون لضغوط منظمة، كما كان الأزهر يتعرض لضغوط لتغيير خطابه الديني، بما أدى إلى تآكل الهوية الوطنية لصالح هويات فرعية تخدم مشروعًا سياسيًا بعينه ، وأضاف أن التحدى الرابع تمثل فى الاختراق الإقليمي، متابعا أن مصر كانت ستتحول إلى ساحة نفوذ لمحور إقليمى يموله ويدعمه جماعات مثل: داعش والقاعدة وأسقطت دولًا، وكانت تسعى لاستنساخ نماذج إقليمية فى مصر، مؤكدًا أن الخطر لم يكن فى التدخل السياسى فقط، بل فى إعادة تشكيل منظومة التحالفات المصرية خارج حسابات المصلحة الوطنية، وأن التحدى الخامس تمثل فى غياب مصر عن دورها الإقليمى سياسيًا فى ملفات ليبيا والسودان وغزة واليمن، بما كان سيؤدى إلى فقدان ثقلها الاستراتيجي، ولا شك أن الفراغ الذى كانت ستتركه مصر كان سيملؤه آخرون، بينما كان دورها فى الوساطة وإدارة الأزمات سيتلاشى لسنوات، مؤكدًا أن ما أنجزته الدولة بعد 30 يونيو لم يكن حتميًا، بل كان خيارًا صعبًا دفع ثمنه الشعب المصرى والمؤسسة الأمنية والعسكرية بدماء حقيقية، مشيرًا إلى أن عمليات سيناء استمرت سنوات وكلفت أرواح مئات الضباط والجنود، لكن الدولة صمدت وانتصرت، مشددا أن المقارنة اليوم تبدو صارخة، حيث لا تزال ليبيا تبحث عن دولة موحدة، واليمن يدفع ثمن الحرب منذ عقد، وسوريا تعيد بناء نفسها من الصفر، والعراق لم يتعاف من جروح التنظيمات المسلحة، بينما يشهد السودان حربًا أهلية لا أفق لها ، مؤكدا على أن مصر خرجت من تلك المرحلة بدولة صامدة، ومؤسسات عاملة، وجيش قادر، واقتصاد يبني، وسيناء آمنة، معتبرًا أن ثلاثين يونيو لم تنقذ حكومة أو تسقط نظامًا سقط شعبيًا، بل أنقذت دولة وأسست للجمهورية الثانية.
فيما أعلن د.عادل عامر – أستاذ الاقتصاد الدولى مدير مركز المصريين للدراسات السياسية أن الاستثمارات المحلية والأجنبية غالبًا ما تتأثر بارتفاع درجة عدم اليقين السياسى أو الأمني، وأنه فى حال استمرار الاضطرابات كان من الممكن أن يتراجع حجم الاستثمارات الجديدة، سواء من المستثمرين المصريين أو الأجانب، مع احتمال تأجيل عدد من المشروعات لحين اتضاح المشهد، مشيرا أن النقد الأجنبى يعتمد على عدة مصادر رئيسية، منها السياحة، والاستثمار الأجنبي، وتحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، لافتًا أنه إذا تراجعت السياحة والاستثمارات فمن المحتمل أن تتعرض احتياطيات النقد الأجنبى لضغوط أكبر، ما لم يتم تعويض ذلك بزيادة فى موارد أخرى أو من خلال دعم وتمويل خارجي، وفيما يتعلق بـالأزمة الاقتصادية، أكد أن البلاد كانت تواجه بالفعل تحديات اقتصادية قبل 30 يونيو، تمثلت فى ارتفاع عجز الموازنة، والضغوط على الاحتياطى النقدي، وأزمات الطاقة والوقود والكهرباء، موضحًا أن التعامل مع هذه الأزمات كان سيتوقف على السياسات التى كانت ستتبناها الحكومة القائمة آنذاك، ومدى قدرتها على تحقيق توافق سياسى واستعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية ، وأضاف أن الاستقرار السياسى كان يمثل عنصرًا حاسمًا.
قال سامح عيد – الخبير فى شئون الجماعات الإسلامية، إن تصريحات عدد من قيادات جماعة الإخوان، وعلى رأسهم خيرت الشاطر ومحمد البلتاجي، حملت خطابًا طائفيًا، إذ حاولت تصوير المسيحيين باعتبارهم الطرف الرئيسى المعارض لمنهجهم، وهو ما كان يمثل تهديدًا مباشرًا للنسيج الوطنى ويزيد حالة الانقسام داخل المجتمع، مضيفا أن الإعلان الدستورى الذى أصدره محمد مرسي، وما اعتبره تحصينًا لقراراته من الطعن القضائي، كشف عن توجه الجماعة لاحتكار السلطة، مؤكدًا أن الإخوان لم يكونوا يخططون للبقاء فى الحكم لفترة رئاسية أو فترتين فقط، وإنما كانوا يسعون إلى ترسيخ وجودهم لعقود طويلة، فى إطار مشروع يرتبط بإقامة ما يسمونه «دولة الخلافة»، وأن مصر كانت تتجه نحو حالة من العنف والاستقطاب الحاد، بسبب الخطاب الذى كانت تتبناه الجماعة، والذى كان يصور المجتمع باعتباره يحارب الإسلام والشريعة ويقف ضد الدين، وهو ما أدى إلى حالة واسعة من الإقصاء لكل من يخالفها سياسيًا أو فكريًا ، وأشار إلى أن مرور السنوات جعل كثيرين ينسون ما تضمنته تصريحات قيادات الجماعة من مواقف علنية ضد مؤسسات الدولة، مؤكدًا أهمية إعادة عرض هذه التصريحات حتى تتذكر الأجيال الجديدة طبيعة المرحلة وما شهدته من أحداث ، وفيما يتعلق بملف «أخونة الدولة»، أكد أن الجماعة كانت تمضى بخطى متسارعة نحو تمكين عناصرها داخل مؤسسات الدولة، لافتًا إلى أن ما يقرب من 13 ألف وظيفة، شملت مواقع وكلاء الوزارات ومديرى الإدارات والقيادات التنفيذية، كانت مستهدفة ضمن هذا المشروع ،وأضاف أن الجماعة كانت تنظر إلى التنظيمات الإسلامية الأخرى باعتبارها تنظيمات تابعة أو عميلة، وأنها وحدها صاحبة المشروع الذى يجب أن يقود الدولة.
قال منير أديب – الباحث المتخصص فى شئون الجماعات المتطرفة إن الشعب المصرى كان لديه من الوعى ما دفعه إلى ثورة 30 يونيو، رفضًا لاختطاف الدولة والعبث بهويتها، ولولا ثورة 30 يونيو لما تحقق الحفاظ على مؤسسات الدولة، وأنها استطاعت مواجهة مشروعات التطرف، ولو لم تقم ثورة 30 يونيو لما بقيت مؤسسات الدولة على حالها، ولانهارت المؤسسات، وساد الحكم التسلطي، وانتشرت حالة من الفوضي، وتبعها القمع، وغابت المؤسسات الرسمية الحقيقية التى تمثل نواة الدولة، مشددا أن مصر كانت ستصبح فى هذا السيناريو، «أسوأ نموذج لدولة سيطر عليها الإسلاميون على مر التاريخ»، مشيرًا إلى أن ثورة 30 يونيو مثلت نقطة فاصلة فى الحفاظ على الدولة ومؤسساتها .









