د.جمال شقرة
أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة عين شمس
يستخدم البعض مصطلح محكمة التاريخ، كما لو أن التاريخ له صلاحية القاضى، الذى يصدر الأحكام، فإن كان القاضى يحاكم المجرمين والمخالفين للقانون، ويصدر ضدهم الأحكام إما بالعقاب أو بالبراءة، فإن التاريخ هو الآخر يمتلك صلاحية محاكمة صناع الحقائق التاريخية وراسمى السياق العام لحركته، وبالتالى يصدر أحكامه، وقد تتصف هذه الأحكام بالقسوة الشديدة أو تبرير الأخطاء، والتماس الأعذار تماما كما يفعل القاضى، هذا يكتب تاريخه بمداد من ذهب، وذاك يقذف به فى سلة المهملات، وآخر يوصف بأنه سفاح أو ديكتاتور أو إرهابى، وثالث يوضع مع الأبطال العظماء والمجددين والمصلحين الذين خدموا بلادهم وأنقذوها من الانهيار، وقاوموا الغزاة والإرهابيين.. والتاريخ لا يحاكم التفاصيل ولا يهتم بها، وعلى ما يبدو أن لديه قناعة بأن الشيطان يسكنها، لذلك يَنْصب اهتمامه على الوقائع والأحداث الكبرى ذات التأثير فى حياة الأمم والشعوب ومصير الإمبراطوريات والدول .
وقد يتأخر التاريخ فى إصدار أحكامه بسبب غيبة الوثائق وتخبط وتناقض ما يرد فى شهادات المعاصرين، كانت المَدْرَسَةُ القديمة تنتظر حتى مرور مائة عام حتى تتناول الأحداث بالدراسة والتحليل قبل إصدار الأحكام، ولكن مع ثورة المعرفة أصبح من الممكن استرداد الأحداث والوقائع شديدة المعاصرة أو على الأقل معرفة السياق العام الذى سارت فيه حركة التاريخ.
وفيما يتعلق بثورة 30 يونيو فإنه نظرا لعدم الكشف عن كل الوثائق، فالثابت أنه قد أصاب التوصيف النظرى كثيراً من العوار والاضطراب، حيث ارتبك حكم البعض عندما حاولوا فَهْمَ ما جرى فى مصر قبل وبعد30 يونيو، ونحن لا نقصد هنا أعداء الحدث الكبير، من جماعة الاخوان الارهابية، لكننا نقصد المفكرين والمؤرخين غير المنتمين للجماعة.
والواقع أن بعض المحرضين تسرع ووصف ما حدث بأنه ليس ثورة، وانطلقت هذه الأحكام من مقولة قديمة مؤداها أن وظيفة الجيش هى العمل على الحدود لحماية الأمن القومى من الأعداء، وأنه إذا ما تجاوز ضباطه وجنوده الحدود ومارسوا السياسة فى الداخل يكونون قد انقلبوا على النظام.. الحقيقة أنه قد جانب هؤلاء الصواب، حيث اجتروا التفسير الماركسى والغربى الذى حكم على ثورة 23 يوليو 1952 فى الأيام الأولى من تاريخها بأنها ليست ثورة، وتمسكوا بهذا التفسير الكلاسيكى لدور الجيوش فى دول العالم الثالث، وتجاهلوا الأدبيات التى تناولت الدور الوطنى والسياسى للضباط الوطنيين، وأكدت أن الجيش الوطنى من الممكن أن يأخذ مقاليد الأمور بيده، ويعمل داخل الحدود لينقذ الدولة من الانهيار والتلاشى من على الخريطة، نتيجة لفشل النظام، ويقوم الجيش الوطنى فى المرحلة الأولى من تدخله بالانحياز للشعب، ويقف جنباً إلى جنب مع القوى الوطنية فى مواجهة النظام .
لقد غيرت الأدبيات التى ناقشت التوصيف النظرى لما جرى ليلة 23 يوليو فى مصر، رأى المفكرين الشيوعيين فى الشرق وكذلك رأى المفكرين الليبراليين فى الغرب، ووصفوا فى النهاية نجاح الضباط الأحرار فى السيطرة على الأمور وطرد الملك وإصدار قانون الإصلاح الزراعى وتحديد الملكية 9سبتمبر 1952، وقبله إلغاء الرُتب والنياشين والألقاب، وإعلان الجمهورية، وحل الأحزاب، ومواجهة الاخوان، ووصفوا حصول الضباط على الرضا الطوعى ثم الشرعية بأنه ثورة للضباط الوطنيين، استهدفت تغييرا جذريا لأوضاع مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بالقضاء على الاستعمار وأعوانه، و الفساد وحماية البلد من الانهيار، وتحقيق حلم الشعب المصرى فى الحرية والاستقلال .
نفس القاعدة تنطبق على ما جرى فى مصر يوم 30 يونيو، حيث كانت مصر قد اوشكت على الانهيار، بعد تخبط جماعة الإخوان الارهابية فى إدارة شئون البلاد، ووقوع مكتب الإرشاد الحاكم الحقيقى للبلاد وقتئذ فى سلسلة من الأخطاء التى أوشكت أن تُحَوِّل مصر إلى دولة فاشلة، تتصارع فيها قوى سياسية واجتماعية غير قادرة على حسم الأمور لصالح الشعب، وكان انفجار الشعب فى أَمَسِّ الحاجة إلى دعم الجيش الوطنى الذى لم يتأخر عن تحمل مسئوليته التاريخية، وكان تدخله فى 25 يناير ضد النظام، وتأييدًا للشعب، وكان تدخله فى 30 يونيو دعمًا للشعب ضد النظام أيضًا، وفى 23 يوليو كان دعم الشعب للضباط الأحرار، أقوى دليل على العلاقة القوية التى تربط الجيش المصرى الوطنى بشعبه والعكس هو الصحيح، والفيصل فى النهاية هو حجم التغيير الجذرى الذى حدث بعد 23 يوليو، وحدث ولا يزال يحدث بعد 30 يونيو،من بناء وعمران واستعادة لقوة الدولة تحت قيادة وطنية تعمل لصالح مصر وشعبها
فهى ثورات حافظت على الدولة من الانهيار، ومنعت الصراع والاقتتال بين القوى السياسية والاجتماعية المختلفة، التى لم تنجح فى إيجاد أرض مشتركة تضمن التنسيق والتفاهم والتعاون من أجل الوطن والشعب العظيم.









