هناك لحظات تاريخية لا تشبه غيرها فى عمر الأمم، لحظات لا تقاس بالأيام ولا بالسنوات، بل بظهور رجال يغيرون اتجاه الزمن نفسه، فتتوقف عندها الحركة، ويصبح القرار الحاسم فيها هو الحد الفاصل بين البقاء والعدم. فى مثل هذه اللحـظـات، يدرك الجميع أن القــائـد ليـس منصبا يمنــح، بـل رسـالـة وقـدر ومسئولية تنوء بها الجبال. إنها اللحظة التى يختبر فيها معدن الإنسان الأصيل، حيث تصقل التجربة القوة، وتصنع الظروف ذلك القائد الأسطورة الذى يراه الشعب نموذجا يحتذى به.
من هذا المنطلق، لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو 2013 مجرد حدث مصرى داخلي، أو حراك عابر لتبديل سلطة بأخري، بل كانت زلزالا استراتيجيا أعاد ترتيب أوراق المنطقة بأسرها. لقد جسدت إرادة الشعب المصرى الأبى فى أعظم صور التلاحم وأسمى معانى العزيمة والإصرار لاسترداد هوية الوطن. وفى تلك الملحمة الغالية، انحاز الجيش المصرى العظيم لنداء الواجب، تحت القيادة الحكيمة للفريق أول آنذاك عبد الفتاح السيسي، فكان حاميا لإرادة الشعب، ومدافعا عن مؤسسات الدولة، وإلى جواره رجال الشرطة البواسل، ليقطعوا الطريق على مخططات الظلامية والرجعية والإقصاء التى كادت تعصف بالدولة الوطنية وتحول الإقليم إلى بؤرة من الفوضى.
لقد كانت مصر وستظل هى الركيزة الأساسية للاستقرار العربي، وحائط الصد المنيع الذى تحطمت عليه أوهام تفتيت المنطقة.. وبفضل الاتزان الاستراتيجى والدبلوماسية الحكيمة، تمكنت مصر من تفكيك حصارها والتخارج من وطأة المؤامرات الدولية، لتثبت أن قوة الإقليم من قوة قاهرته.
وتحت رعاية الهيئة الوطنية للصحافة، يأتى كتاب «رجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطن» ليصدر فى جزأين يوثقان الفصل الأول من السردية الوطنية، فى طبعة شعبية تشهد على عظمة التحول. الكتاب الذى حررته نخبة من كبار المفكرين والكتاب الوطنيين يمثل شهادة حية وموثقة لمؤسسى «الجمهورية الجديدة»، متناولا مسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسى من الجمالية العريقة إلى قصر الاتحادية.
ويكتسب هذا العمل الموسوعى قيمته الاستثنائية من قامات واضعيه، حيث سطر مقدمة الكتاب فى جزئه الاول المستشار عدلى منصور، رئيس مصر السابق، معددا الوصايا الوطنية التى تمسك بها الرئيس السيسى وأنجزها فى توقيتاتها الحاسمة، وموثقا دور القوات المسلحة فى لجم الفوضى وتوفير الأمن بعد أحداث 2011.
اما مقدمة الجزء الثانى فوضعها قداسة البابا تواضروس الثاني، ليرسم ملامح وطن ينعم مواطنوه بالمحبة والمواطنة بلا تمييز.
إن فكرة الكتاب تبلور فلسفة القيادة الحقيقية، وهى القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، والتحمل حين ينهار الجميع، والإصرار على البناء من وسط الركام. هكذا تكتب الأساطير، ليس بحجم الكرسي، بل بحجم الوطن الذى حمل القائد أمانته، وبمدى قدرته على تحويل اليأس إلى أمل مستدام.
فى الجزء الثاني، الذى يحمل عنواناً عريضاً «الإنسان أولا»، يتجلى هذا الفكر عبر معادلة قوامها «العمران فى خدمة الإنسان». حيث ابرز الثورة التشريعية وكيفية إنهاء عصر القوانين الاستثنائية الموروثة منذ العهد الملكي، لترفع عن كاهل المصريين أعباء عقود مضت. كما تناول الملحمة الاجتماعية مثل مبادرة حياة كريمة التى تعد تجسيداً حياً للحرب على الفقر والجهل والمرض، وعلاج حزمة الأمراض المزمنة التى سادت فى الجمهورية القديمة. وكانت النهضة التنموية الشاملة حاضرة فى الكتاب والتى بدأت بمشروع قناة السويس الجديدة، مرورا بالثورة الزراعية والصناعية ومضاعفة المعمور المصري. ولم يغفل مفهوم التمكين والقفزة غير المسبوقة التى سكها الرئيس السيسى لتمكين المرأة المصرية، وذوى الهمم، والفئات الضعيفة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. اضافة إلى القوة الناعمة واستعادة مصر لبريقها ثقافيا ورياضيا.
إن 30 يونيو لم تكن نهاية المطاف، بل كانت نقطة الانطلاق الحقيقية نحو تأسيس جمهورية جديدة قوية، فتية، وقادرة. وبفضل الرؤية الصلبة والإرادة القيادية، تحولت التطلعات إلى واقع ملموس نعيشه اليوم.









