قداسة البابا
تواضروس الثانى
بعد ما يقرب من 12 سنة من تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مسئولية قيادة البلاد، نستطيع بوضوح أن نتبين ملامح محددة تعبر عن رؤيته لحاضر مصر وأسلوبه فى قيادتها نحو المستقبل الذى تستحقه.
فى نفس السياق يمكننا أن نرصد عبر هذه السنوات ملامح شخصية الرئيس الذى ظهر على الساحة فى لحظة تاريخية فارقة واستطاع أن ينتشل الوطن من مصير كاد يدمر حاضره ويودى بمستقبله بل ويمحى تاريخه العريق.. حتى أننا نستطيع أن نقول إن الجينات المصرية المتأصلة لدى المواطن عبدالفتاح السيسى عبرت عن نفسها بوضوح وقادت وعيه وأثرت بشكل لافت فى القرارات المصيرية التى اتخذها فى اللحظات الحرجة.
فى ضوء ما سبق يمكننا القول إن مصر تعيش عهداً هو الأفضل خلال السنوات الخمسة والسبعين الأخيرة.. فما تم إنجازه فى عدة ملفات أحدث تغييراً جذريّاً فى وجه الحياة فى مصر.. ومن أبرز هذه الملفات، الفئات الأكثر احتياجاً، الشباب، المرأة، إلى جانب ملف المواطنة، الذى يَعُد حقوق المصريين المسيحيين جزءاً أساسيّاً منه.
يرجع الفضل فى هذا إلى رؤية وشخصية الرئيس السيسى الذى فتح المجال وأطلق طاقات وقوى الدولة للتعامل مع هذه الملفات بشكل جاد وبإرادة سياسية واضحة.
يجب ألا ننسى أن رحلة التطوير والإنجاز بدأت فى وقت كانت مقدرات الدولة المصرية فى حالة تجريف من جراء أفعال عهود سابقة ومن جراء حالة التدمير التى شهدتها الدولة عبر عامين ونصف العام منذ يناير 2011 وحتى يونيو 2013، بل واستمرت محاولات التدمير لبضع سنوات بعدها من قبل التنظيمات الإرهابية ومؤيديها وداعميها سواء دول أو كيانات أو أشخاص.
تحت وطأة هذه الظروف الخانقة، قاد الرئيس مسيرة استعادة الوطن وبنائه على أسس راسخة قادرة على صنع مستقبل مشرق تستحقه مصر وهو ما تم التوافق على تسميته «الجمهورية الجديدة».
المصريون المسيحيون
على صعيد أحوال المصريين المسيحيين الذين رغم أنهم مصريون حتى النخاع بحكم التاريخ والأصل، إلا أن واقع الحال يشهد بأنهم، ولعقود، عانوا التجاهل والفرز والحرمان من حقوق طبيعية.. وبناء عليه، فإن ما تم إنجازه فى السنوات الأخيرة من خطوات على أرض الواقع كافٍ لرسم صورة دقيقة للتغيير الجذرى الذى حدث فى هذا الملف، مع إقرارنا بأن الطريق مازال طويلاً.. ولكن ما يمنحنا الثقة هو رؤية الرئيس والمنهجية التى يتبعها فى كل المواقف والمناسبات.. حتى يمكننا القول إنه فى ظل الجمهورية الجديدة أصبح المصريون جميعاً شركاء فى التأسيس لها وفى بنائها على حد سواء.
سنقدم هنا رصداً لأبرز ملامح رؤية الرئيس ومنهج تعامل سيادته مع ملف المصريين المسيحيين:
أولاً– لغة الخطاب:
تتميز لغة الرئيس السيسى التى يخاطب بها المصريين المسيحيين بمفردات ومعانٍ لم يكونوا يُخاطَبون بها قبلاً، وللحق نقول: إن لغة خطاب الرجل مع جميع المصريين وليس المسيحيين فقط، لغة مختلفة عامرة بالتقدير لشعب يعرف قيمته وعراقته، ويدرك حقه وإمكاناته ويسعى لحمايته من كل ما يتهدده ويجتهد بإخلاصٍ لقيادته نحو مستقبل أفضل.
لقد ابتعدت لغة الرئيس- على سبيل المثال- عن استخدام مصطلح «عنصُرَى الأمة» أو «الطرفين» مكرساً لتعبير «النسيج الواحد» و»اليد الواحدة»، واختفت لغة التقليل من حجم مشكلات المسيحيين والادعاء بأنها أمور عادية تطال المسلم كما تطال المسيحي، وحرص على أن يخاطب الجميع بوصفهم مصريين.
سنورد هنا بعض نماذج تترجم وتكشف بوضوح عن لغة الخطاب التى يستخدمها الرئيس، وذلك من خلال كلماته التى قالها فى مناسبات متنوعة:
> فى حادث شهداء البطرسية عام 2016: «المصاب ده مصابنا كلنا.. مش مصاب الكنيسة بس.. عزائى ليكم كلكم عزاء شعب مصر كله.. أنا أبداً مش هعزى أشقاءنا المسيحيين.. لا والله، هقول عزاؤنا لكل المصريين.. الضربة دى وجعتنا وسببت ألم كبير لينا، لكن مش هتكسرنا».
> خلال تهنئته بعيد الميلاد فى كاتدرائية ميلاد المسيح عام 2021: «إحنا فى بيت من بيوت ربنا.. واللى بيحمى البلد دى هو ربنا.. لا تخافوا لسببين: الأول إن ربنا موجود، والثانى إننا مع بعض.. طول ما إحنا إيد واحدة محدش يقدر علينا.. الجمهورية الجديدة تتسع للجميع دون أى فرق أو تمييز.. نعيش فيها بسلام وأمان مع بعض».
عام 2024: «أنا مش بكلمكم انتو بس، أنا بكلم الدنيا من خلالكم.. إحنا نسيج واحد وأنا لما بكلمكم بكلم الدنيا كلها.. محدش يقدر يفرق بينا.. ده مش أنا بس اللى بعمله ده إحنا كلنا نعمله.. لازم نرجع مش زى زمان، لا أكتر.. إحنا مع بعض».
ثانيًا– مواقف عملية:
لم تكن لغة الخطاب فقط هى التى تغيرت وإنما اقترنت الكلمات بالمواقف والمشاهد الحية التى تدعم الكلام وتؤكد صدقه وجدية قائله، وإلى بعضٍ من تلك المواقف العملية:
1 – مشهد خارطة الطريق 3 يوليو 2013، الذى ظهر فيه بابا الكنيسة المصرية إلى جوار وزير الدفاع- وقتها الفريق أول عبدالفتاح السيسى- وشيخ الأزهر، فى موقف كشف أن «السيسى» يرى أن الكنيسة جزء لا يتجزأ من الوطن وشريك أساسى فى قراراته المصيرية.
مشاركة الكنيسة فى هذا المشهد، كانت نتيجة لتعرضها لموجة انتقامية غير مسبوقة من حرق وتدمير ما يقرب من مائة كنيسة ومبنى كنسى فى 14 أغسطس 2013، ووعينا بقيمة الوطن وقيمة الكنيسة هو ما دعانا إلى الرد على محاولة تدمير الوطن من خلال تدمير الكنائس، إلى القول «إن وطناً بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن»، وإذا أحرقوا الكنائس سنصلى مع إخوتنا فى المساجد وإذا أحرقوا المساجد سنصلى نحن وإخوتنا فى الشوارع، شوارع الوطن الباقى بتكاتف الكيانات المكونة له «القوات المسلحة والشرطة والأزهر والكنيسة والقضاء والمؤسسات التعليمية والثقافية والرياضية»، إلخ.
2 – مشهد التهنئة بالعيد:
أرسى الرئيس السيسى تقليداً غير مسبوق فى تاريخ الرئاسة المصرية، وهو تقديم التهنئة بانتظام فى قداس عيد الميلاد المجيد، ليشهد مساء يوم 6 يناير من كل عام لحظات منتظرة تفيض فيها المشاعر وتتأكد فيها معانى كان وسيظل الوطن فى احتياج إليها ضمن مسيرة البناء.
3 – مشاهد الأزمات:
هى مشاهد تجلت فيها الصورة بوضوح، فآلية تعامل الدولة مع الحوادث الإرهابية التى طالت المصريين المسيحيين اختلفت بشكل كامل نتيجة لتغير الرؤية، فلم يعد الأمر حادثاً طائفياً، وإنما اعتداء على الأمن القومى المصري.
فى حادث استشهاد المصريين المسيحيين فى ليبيا فى فبراير عام 2015، زار الرئيس خلال ساعات الكاتدرائية لتقديم العزاء، وخرج بنفسه فى التليفزيون مؤكداً أن مصر تحتفظ لنفسها بحق الرد فى الوقت والمكان المناسبين، وأصدر قراراً فورياً بتوجيه ضربة جوية لمعاقل داعش فى ليبيا، ونُفِّذ القرار بالفعل فى فجر اليوم التالي.
عقب تفجير الكنيسة البطرسية فى ديسمبر 2016، تقدم الرئيس الجنازة العسكرية المهيبة لشهداء الكنيسة، ثم بعدها بأيام خرج ليعلن بنفسه اسم الانتحارى مرتكب الحادث وطالب البرلمان والحكومة بتعديل القوانين لمواجهة الإرهاب بفاعلية أكبر.
أما عقب الانفجارات التى طالت كنيسة الشهيد مار جرجس بطنطا والكنيسة المرقسية بالإسكندرية يوم أحد الشعانين ابريل 2017، أعلن الرئيس حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وشكل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب، وأمر بنزول قوات الجيش لمعاونة الشرطة فى تأمين المنشآت الحيوية، بما فيها الكنائس.
ثالثًا– التشريعات:
على صعيد معالجة مشكلات المصريين المسيحيين، أنجزت الدولة فى عهد الرئيس السيسى خطوات مؤسسية وقانونية غير مسبوقة، كشفت عن إرادة سياسية جادة تتجه نحو ترسيخ قواعد لحصولهم على حقوقهم وعدم الاكتفاء بمنحهم إياها بمبادرات فردية أو لفئات شخصية.. وسنعطى هنا أبرز ملامح هذا التوجه:
1 – قانون بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016، يعد مثل هذا القانون نهاية لحقبة «الخط الهمايوني» الصادر عام 1856، وشروط «العزبى باشا» التى كانت تجعل بناء كنيسة أمراً شبه مستحيل، حيث وضع القانون تعريفاً واضحاً للكنيسة ومبانى الخدمات، وحدد مدة 4 أشهر كحد أقصى للرد على طلبات الترخيص، واشترط أن تكون مساحة الكنيسة متناسبة مع عدد المسيحيين المقيمين فى المنطقة، مع مراعاة معدلات النمو السكانى وهو نص مرن يسمح بالتوسع المستقبلي.
بموجب هذا القانون، أصبحت الدولة ملزمة بتخصيص أراضٍ للكنائس فى جميع المدن تلقائياً ضمن المخطط العمراني، مما أنهى الحاجة لقرارات جمهورية لكل كنيسة على حدة.
2 – تشكيل لجنة وزارية عليا لتقنين أوضاع الكنائس، لم تكتفِ الدولة بوضع القانون الجديد لبناء الكنائس، بل شكلت لجنة وزارية عليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء فى شهر يناير من عام 2017 لتقنين أوضاع الكنائس المبنية دون ترخيص، وحتى نهاية عام 2025 تجاوز عدد الكنائس والمبانى الخدمية التى تم توفيق أوضاعها 3500 كنيسة ومبنى على مستوى الجمهورية.
هذا الرقم الضخم يعنى نقل آلاف المبانى الكنسية من دائرة «المخالفة» والتهديد بالإغلاق إلى دائرة الشرعية القانونية وحماية الدولة.
رابعًا– التمكين:
يتسم عصر الرئيس السيسى بتفعيل حقيقى لمبدأ التمكين على عدة محاور، سواء بالنسبة للفئات الأكثر احتياجاً أو المرأة أو الشباب وطال هذا التمكين أيضاً المصريين المسيحيين، ومن مظاهر تمكينهم:
1 – إعادة ترميم وبناء الكنائس المعتدَى عليها، رغم تعرض الكنائس وبيوت المسيحيين لاعتداءات متكررة عبر العصور، فعملية إعادة إعمارها كانت تتحملها الكنيسة وأبناؤها دون معاونة من الدولة، بل كثيراً ما كانت تضع الدولة عراقيل أمام الكنيسة تعطل عملها!، ولكن الكنائس التى تعرضت للتدمير فى أغسطس 2013 تولت الدولة، عبر الهيئة الهندسية للقوات المسلحة عملية إعادة إعمارها بتكليف مباشر من الرئيس السيسى، بل تم ترميم وتجديد الكنيسة البطرسية بالعباسية فى غضون ثلاثة أسابيع من حادث تفجيرها.
2 – التعيينات فى الوظائف العليا، شهد عهد الرئيس السيسى تطوراً كبيراً فى تعيين المسيحيين فى وظائف عليا كانت هناك أعراف ظالمة تمنع توليهم إياها، وأصبحت الكفاءة والمعايير الموضوعية أساساً للاختيار، ومن أبرز الدلائل على هذه الموضوعية تعيين المستشار بولس فهمى رئيساً للمحكمة الدستورية العليا فى فبراير عام 2022 بقرار جمهورى وهو قرار غير مسبوق فى تاريخ القضاء المصرى، فالمعلوم أن المحكمة الدستورية العليا هى أعلى سلطة قضائية فى مصر وهى المحكمة المنوط بها تفسير الدستور والرقابة على القوانين.
فى نفس السياق تم تعيين عدد كبير أيضاً فى مناصب المحافظ والوزير.. ومازلنا نأمل بالطبع فى التوسع فى عملية التعيين هذه لتصبح الكفاءة فقط معيار الاختيار لأى منصب.
3 – بناء كاتدرائية ميلاد المسيح، التى بُنِيَتْ بالعاصمة الجديدة إلى جانب مسجد الفتاح العليم فى ترجمة مباشرة للتوجه الجديد.. فلم يعد الأمر يقتصر على ترميم وتجديد وإعادة إعمار ولا تقنين بناء الكنائس، وإنما أصبحت الدولة فى سياق المساواة وتفعيل المواطنة تبنى كاتدرائية هى الأكبر فى الشرق الأوسط إلى جوار المسجد، لتقدم لشريحة من المجتمع «المسيحيين» دليلاً دامغاً على جديتها فى نيلهم حقوقهم غير منقوصة، ولتبعث رسالة إلى العالم كله مفادها أن مسيحيى مصر جزء أصيل من كيان الوطن، حتى أنه قيل إن الكاتدرائية والمسجد صارا معاً رمزاً للجمهورية الجديدة.
أشهد بأنه عبر ما يقرب من 12 سنة، قدم الرئيس السيسى نموذجاً فى الأمانة والإخلاص والجدية فى العمل والاستقامة فى القول والسلوك لنجد أنفسنا أمام شخصية فريدة على المستوى الإنساني، شخصية فذة على مستوى القيادة.. رجل وطنى إلى أبعد الحدود، يجاهد بكل طاقته من أجل حماية وطنه ورفعته، ويخوض معركة بنائه متحملاً بصبر غير نافد تبعات المسئولية بكل رضا.
أطلب من الله أن يبارك عمل الرئيس، وأن يكلل جهوده ويسند سعيه ويكمل به مسيرة بناء «الجمهورية الجديدة» التى صارت حلماً لكل المخلصين من أبناء مصر.. مصر التى تستحق أن تكون دوماً وأبداً فى المكانة التى تليق بشعبها الطيب العريق.









