بقلم : د. محمود السعيد
ثورة الثلاثين من يونيو 2013 كانت، ولا تزال، واحدة من أهم المحطات التاريخية الفاصلة فى العصر الحديث، ولا يقتصر تأثيرها على المسار السياسى المتمثل فى حماية مصر من إرهاب الجماعة كانت تهدف إلى تحقيق مصالحها الضيقة على حساب الهوية الوطنية المصرية، وإنما أيضًا لتأثيرها العميق فى مسار الاقتصاد المصري. وعندما ننظر إلى الأثر الاقتصادى لهذه الثورة، لا يجب أن نكتفى بتقييم ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الصعبة التى تلت 30 يونيو، ولا يجب أيضًا تقييمها من منظور بعض الصعوبات الاقتصادية التى واجهها المواطن المصرى فى ظل الإجراءات الاقتصادية الإصلاحية الضرورية التى انتهجتها حكومات ما بعد 30 يونيو، وإنما يجب النظر بعمق تحليلى إلى طبيعة الاقتصاد المصرى قبل يونيو 2013، وحجم الاختلالات الهيكلية التى تراكمت عبر عقود طويلة. فخلال أكثر من ستين عامًا، ومنذ منتصف الستينيات من القرن الماضى وحتى قيام ثورة يونيو المجيدة، فشلت كل محاولات الإصلاح فى معالجة جذور الأزمات الاقتصادية. من هنا يجب أن ننظر بعمق تحليلى إلى ما قامت به الدولة من إصلاحات حقيقية لمعالجة جذور المشكلات الهيكلية فى الاقتصاد المصري، والتى لم تكن مجرد عمليات ترميم لبناء آيل للسقوط، وإنما كانت سياسات اقتصادية جادة تستهدف استئصال العوامل التى تؤدى إلى حدوث هذه المشكلات. وأخيرًا، يجب أن نفكر بعمق فى الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية، وهو: كيف كان سيكون وضع الاقتصاد المصرى لو لم تحدث ثورة 30 يونيو، ولم تبدأ عملية تصحيح المسار الاقتصادى؟
بالنظر إلى ما واجهته الدولة المصرية من أزمات خلال عقود طويلة، نجد أن التحديات الاقتصادية لم تكن بسبب التوترات السياسية والأمنية التى حدثت بين عامى 2011 و2013 فقط، كما أنها أيضًا لم تكن نتيجة مباشرة للأزمات العالمية التى شهدها العالم منذ أواخر عام 2019 وحتى اليوم، وإنما كان التأثير الأكبر فى الأزمة الاقتصادية بسبب التراكمات الممتدة لعقود طويلة من الاختلالات الهيكلية التى أثرت فى بنية الاقتصاد الوطني، وعطلت انطلاقه لآفاق مأمولة. وإذا نظرنا إلى السياسات الاقتصادية التى انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ منتصف الستينيات وحتى عام 2010، وهذه السياسات شديدة التباين لم تنجح، للأسف، فى معالجة جذور المشكلات بصورة كاملة، بل إن الأصعب من ذلك أنها تسببت فى تعقيد الاختلالات الهيكلية وزيادة حدتها، وهو ما أدى إلى تراكم تحديات اقتصادية كثيرة، وزاد من تعقيدها ما واجهته الدولة المصرية من ظروف صعبة خلال الفترة من يناير 2011مرورًا بمخططات الجماعة الارهابية لتدمير اقتصاد الدولة، ثم تنامى العمليات الإرهابية والتهديدات الأمنية بعد ثورة 30يونيو.
أما بالنسبة لطبيعة الاختلالات الاقتصادية الهيكلية المتراكمة منذ ستينيات القرن الماضي، فكان أبرزها اعتماد الاقتصاد المصرى بصورة أساسية على المصادر والقطاعات الريعية، مثل قطاع السياحة، وإيرادات عبور السفن بقناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتى مثلت أكثر من 50٪ من الدخل القومى الإجمالي. ولا يمكن إنكار أن هذه الموارد تُعد من المصادر الاقتصادية المهمة، لكنها بطبيعتها شديدة الحساسية للتعرض إلى الأزمات الخارجية، ولم يكن ينبغى أن يبلغ نصيبها فى الدخل القومى هذه النسبة المرتفعة على حساب القطاعات الإنتاجية وعوائد الصادرات.
ومنذ أن طُبقت سياسات الانفتاح الاقتصادى فى السبعينيات من القرن الماضي، شهد الاقتصاد المصرى ضعفًا واضحًا فى القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعة والزراعة، وعدم قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات إنتاج وتصدير تتناسب مع حجم السكان واحتياجات التنمية. ولم يكن هذا هو الخلل الوحيد فى أداء الاقتصاد المصرى قبل عام 2011، بل عانت الدولة أيضًا من عدة اختلالات أخرى تمثلت فى عجز مزمن فى الميزان التجاري، وارتفاع مستمر فى الدين العام، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة حدة الفساد الإدارى الذى أدى إلى ارتفاع ملحوظ فى مخالفات البناء وتآكل الرقعة الزراعية، وكذلك تراجع كبير فى كفاءة الجهاز الإدارى للدولة، فضلاً عن تبنى الدولة لمنظومة دعم غير رشيدة استنزفت الموازنة العامة دون أن تحقق المطلوب منها وهو وصول الدعم إلى مستحقيه.
وعندما حدثت ثورة يناير 2011، زادت حدة هذه المشكلات بصورة مضاعفة، حيث تراجع الإنتاج بسبب الاضطرابات السياسية والمطالب الفئوية الضيقة، كما انخفضت معدلات الاستثمار بسبب تدهور ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصري، وخرج جزء كبير من رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية من مصر إلى دول أخري، وتراجعت أعداد السائحين وإيرادات السياحة بصورة حادة، وانخفض احتياطى النقد الأجنبى بصورة أثرت فى سوق العملات الأجنبية واستقرارها، وارتفع عجز الموازنة والدين العام، وشهد الاقتصاد المصرى بصورة عامة حالة من التباطؤ الحاد نتيجة عدم الاستقرار الأمنى والسياسي. كما توقفت مشروعات اقتصادية كثيرة مملوكة للقطاع الخاص، ولم يعد هناك ضخ لاستثمارات جديدة فى الاقتصاد المصري، وأصبح هذا الاقتصاد يواجه تحديات مركبة تهدده بالانهيار التام.
وبعد قيام ثورة الثلاثين من يونيو، واستعادة مؤسسات الدولة لاستقرارها وهويتها الوطنية، بدأت مرحلة جديدة من البناء والتحدي، كان عنوانها الرئيسى إصلاح الاختلالات الهيكلية جذريًا، وإعادة بناء الدولة اقتصاديًا، بالتوازى مع استعادة الأمن والاستقرار، ومواجهة التهديدات الإرهابية التى شنها أنصار الجماعة بعد إبعادها عن حكم مصر استجابة لمطالب الشعب المصري. فلم يكن أمام الدولة المصرية فى بداية الفترة الأولى لرئاسة فخامة رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسى سوى خيارين، هما: إما الاستمرار فى تأجيل الإصلاحات الاقتصادية، واستمرار عمليات الترميم والتجميل التى لا تسمن ولا تغنى من جوع، وإنما مجرد مسكنات لمعاناة الشعب، وما يحمله ذلك من مخاطر متزايدة تتمثل فى تعقيد المشكلات الهيكلية، أو أن تلتزم الدولة بسياسات اقتصادية صارمة من شأنها مواجهة المشكلات الهيكلية، حتى لو كانت من خلال قرارات صعبة قد تكون مؤلمة على المدى القصير، لكنها بكل تأكيد تفتح الباب أمام بناء اقتصاد قوى قادر على النمو والصمود أمام الصدمات العالمية، ومعتمد، فى الجزء الأكبر منه، على عوائد الإنتاج والتصدير، وليس على العوائد الريعية.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف القومي، قام رئيس الجمهورية فى عام 2016 بإطلاق رؤية مصر 2030، ثم إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادى فى العام نفسه، وهو البرنامج الذى استهدف إعادة التوازن إلى مؤشرات الاقتصاد الكلى، وإصلاح السياسات النقدية والمالية، وإعادة هيكلة منظومة الدعم بحيث يصل الدعم إلى مستحقيه، وتحسين مناخ الاستثمار بغرض جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وتطوير البنية التحتية؛ لأنها متطلب أساسى لتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا والأكثر تضررًا من سياسات الإصلاح، فلا يوجد برنامج إصلاح اقتصادى فى العالم كله طُبق دون وجود فئات تضررت منه، فهذه هى طبيعة السياسات الإصلاحية، التى تشبه إلى حد كبير طبيعة العلاجات الطبية، إذ قد يتعرض بعض المرضى لقدر من الضرر بسبب العلاج. وقد مثل هذا البرنامج بالفعل نقطة تحول حقيقية فى فلسفة إدارة الاقتصاد المصري، حيث انتقل من تطبيق سياسة المسكنات الاقتصادية فى التعامل مع الأزمات إلى سياسة معالجة أسبابها الهيكلية وجذور الأزمة.
وبالنظر إلى نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادى المصرى، نجد أنه قد نجح تدريجيًا فى تحسين عدد من المؤشرات الاقتصادية، حيث ارتفعت معدلات النمو الاقتصادى ووصلت إلى 5.6 ٪ عام 2019، بعد أن كانت 2.2 ٪ فى نهاية عام 2013، وتحسن الاحتياطى من النقــد الأجنــبي، فقــفز إلى نحو 45.4 مليار دولار بنهاية عام 2019، مقارنة بـ15.3 مليار دولار فى نهاية عام 2014، وتراجعت معدلات البطالة، حيث انخفضت إلى 7.5 ٪ عام 2019، مقارنة بـ13.2 ٪ تقريبًا عام 2014، واستعادت السياحة جزءًا كبيرًا من نشاطها وإيراداتها، وتحسن مناخ الاستثمار، حيث بلغ حجم صافى الاستثمارات الأجنبية المباشرة فى مصر 9 مليارات دولار خلال عام 2019، مقارنة بـ4.6 مليار دولار عام 2014، وأصبحت مصر الدولة الإفريقية الأولى جذبًا للاستثمار الأجنبى المباشر قبل جائحة كورونا. كما شهدت الدولة تنفيذ شبكة غير مسبوقة من مشروعات البنية الأساسية فى الطرق والموانئ والطاقة والمدن الجديدة، وهى مشروعات لم تكن تستهدف فقط تحسين الخدمات، وإنما تهيئة البيئة اللازمة لانطلاق الاستثمار والإنتاج خلال العقود المقبلة.
ما حدث بعد اندلاع جائحة كورونا عام 2020 كان بمثابة أهم اختبار لمدى نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادى المصري. فعندما تعرضت اقتصادات دول العالم لأعنف الأزمات الاقتصادية فى العصر الحديث نتيجة تداعيات الجائحة وتأثيرها على سلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية، كان الاقتصاد المصرى ضمن عدد محدود من اقتصادات الدول التى استطاعت الحفاظ على معدلات نمو إيجابية، فى حين شهدت اقتصادات العديد من الدول الكبرى انكماشًا اقتصاديًا، وهو ما يعكس أن الإصلاحات التى بدأت عام 2016 أسهمت فى تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص أقوى الصدمات الخارجية.
ومع هذا النجاح، تعرضت مسيرة الإصلاح الاقتصادى المصرى لسلسلة من الصدمات الخارجية الأخرى التى تلت جائحة كورونا مباشرة، وتمثلت فى الحرب «الروسية ـ الأوكرانية»، ثم الحرب فى غزة وما ترتب عليها من تراجع إيرادات قناة السويس وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًا، ثم النزاعات الأهلية فى العديد من دول الجوار واستقبال مصر لأكثر من عشرة ملايين مواطن من هذه الدول، وأخيرًا الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران، وهى الصدمات التى أدت إلى موجة تضخمية غير مسبوقة وضغوط كبيرة على سعر الصرف والمالية العامة. وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن تقييم التجربة الاقتصادية المصرية بعد ثورة 30 يونيو ينبغى أن يتم فى سياق سؤال آخر بالغ الأهمية، وهو: ماذا كان سيحدث للاقتصاد المصرى لو لم تحدث ثورة 30 يونيو؟
إن الإجابة الشافية عن هذا السؤال يجب أن تكون من خلال قراءة المؤشرات الاقتصادية التى كانت موجودة فى يونيو 2013، والتى تجعلنا نؤكد أن الاقتصاد المصرى كان سيواجه مخاطر أكبر بكثير لو استمر الوضع كما كان عليه آنذاك. فقد كان من المؤكد، فى هذه الحالة، استمرار تآكل الاحتياطى النقدي، وتراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، واستمرار هروب رؤوس الأموال، وتفاقم عجز الموازنة والدين العام، مع صعوبة تنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية فى ظل غياب الاستقرار السياسى والأمني. لقد كان الشغل الشاغل للجماعة الحاكمة قبل 30 يونيو 2013 هو مسألة «التمكين» و«أخونة» مؤسسات الدولة، وهو الأمر الذى كان مرفوضًا بقوة من جموع الشعب المصري، وكان من المؤكد أن يكون لهذه التوترات تأثير سلبى على المؤشرات الاقتصادية. علاوة على ذلك، فقد كان من المتوقع أن تصبح قدرة الدولة المصرية على مواجهة الصدمات العالمية التى حدثت منذ عام 2020، وما زالت مستمرة حتى اليوم، أكثر ضعفًا، وهو ما يجعلنا نعتقد بقوة أن قيام ثورة 30 يونيو جنب مصر أزمة مالية ونقدية حادة كانت ستؤدى إلى إعلان إفلاس الدولة وحدوث اضطرابات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.
ولا يعنى هذا الاعتقاد أن التجربة الاقتصادية المصرية بعد يونيو 2013 كانت بعيدة عن التحديات.
ولكن يظل الفارق الجوهرى بين تعامل حكومات ما بعد 30يونيو مع ملف الاقتصاد وتعامل من سبقها من حكومات هو أن الدولة انتقلت من مفهوم «إدارة الأزمات» إلى مفهوم «معالجة جذور الأزمات»، ومن التعامل مع المشكلات اليومية إلى بناء رؤية تنموية طويلة المدى تستهدف تأسيس اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة.
ومن ثم، فإن أى تقييم اقتصادى لنتائج ثورة 30 يونيو لاينبغى أن يكون على أساس مقارنة الظروف الاقتصادية الحالية بتلك التى كانت موجودة قبل عام 2014 فقط، وإنما يجب أن يستند أيضًا إلى حجم التحديات التى كانت قائمة، وطبيعة الإصلاحات الاقتصادية التى تم تنفيذها، والصدمات الخارجية الاستثنائية التى واجهتها مصر منذ عام 2020، فالمسار الاقتصادى ما زال فى حاجة إلى استكمال الإصلاحات حتى تتحول نتائجها إلى مكاسب مستدامة يشعر بها المواطن بصورة مباشرة فى مستوى معيشته وجودة حياته.









