هناك ثورات تدمر الأوطان، وثورات تبنى وتفتح أبواب التعمير والبناء، ومن هذه الثورات 30 يونيو التى لم تقم سوى لإعادة الدولة والتخلص من تيار الهدم وجماعة الدمار، قامت 30 يونيو بإرادة شعبية خالصة خوفًا على بلدهم الذى كان فى طريقه إلى السقوط، وكان لا بديل عن ثورة إنقاذ تحمى الوطن.
خرج الملايين إلى الشوارع والميادين رافعين شعارًا واحدًا لأن الشعب أدرك أن هذا الحكم، «يسقط يسقط حكم المرشد» هو الذى يهدد مصير البلد، ويدمر القيم ويهدم المؤسسات الوطنية ويطمس الهوية الوطنية.
هذا الشعب الذى خلص بلده من تنظيم الظلام والدمار، هو الذى اختار القائد الذى وثق فى وطنيته وأنه الأقدر على تحمل مسئولية مصر فى هذا الظرف الصعب الذى تراجعت فيه كل المؤشرات والأرقام، فأصبحت مصر أضعف اقتصاديًا وأسوأ فى الخدمات، احتياطى نقدى منهار، وتقارير دولية تصنف الاقتصاد المصرى بالسالب، وتوقعات مستقبلية كلها متشائمة، البطالة تقترب من 14 بالمائة، والمصانع تغلق أبوابها واحدًا تلو الآخر بسبب الظروف السيئة والتعثرات المستمرة.
الكهرباء فى حالة انقطاع دائم لدرجة أصبحت القاعدة أن مصر مظلمة، والوقود نقص حاد جعل طوابير السيارات تمتد لساعات أمام محطات التموين، الاحتياطى الإستراتيجى من المواد الغذائية لا يكفى لأيام.
فوق هذا تراجعت القوة السياسية والدبلوماسية لمصر، فلم تعد مؤثرة فى محيطها أو على المستوى الإقليمى أو الدولى، لم تعد القاهرة عاصمة القرار بل تتلقى التوجهات من عواصم أخرى، لأن الجماعة الحاكمة تنتمى للخارج وتنفذ أجندات خارجية وليست وطنية.



أحوال مصر كانت هي الأسوأ في تاريخها، اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، فقد كانت الدولة على حافة الانهيار الكامل، والحرب الأهلية نتيجة الفتن التي اشتملت بسبب جماعة المرشد التي تفرق بين مواطن وآخر حسب انتماء أنه للإخوان من عدمه.
هذا الحال كان هو الأرضية التي تحركت عليها ثورة 30 يونيو لإنقاذ مصر، وكان أيضا اختيار الشعب لمن يقود مسيرة البناء التي تعيد الدولة المنهارة ، قائد تحمل مسئولية مواجهة الجماعة الإرهابية واتخذ قراراً جريئاً لحماية الشعب من انتقامهم.
قائد قالها صراحة.. لن نسمح لأحد بالاقتراب من الشعب المصري، وسنتلقى الرصاص بصدورنا لنحمى الشعب.
هذا القائد هو الذي اختاره الشعب بأغلبية ساحقة تشبه الإجماع ليكون الرئيس الذي يلتف حوله الجميع من أجل استعادة مصر الغائبة.
ومن يونيو 2014 بدأت مسيرة أخرى في تاريخ مصر، حالة من البناء الذي لا يتوقف، إدارة وفق فلسفة العمران القائمة على أن تصبح مصر كما تستحق، دولة كبيرة تمتلك عناصر القوة الاقتصادية والسياسية وكل مقومات الدولة العصرية الحديثة، بناء لم يترك قطاعاً وإصلاح لم يهمل ملفاً ، خطة شاملة للتنمية جمعت بين الرؤية الوطنية والجرأة في اتخاذ القرار وتحمل المسئولية عنها.
كان الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ أول يوم واضحا مع الجميع، لن أخدع الناس ولن أعد بما لا أفعل، ولن أبيع الوهم، ولذلك كان القرار من البداية أن ما يملكه هو العمل فقط، وما يعد به هو البناء والإصلاح فقط.
انطلق البناء بقوة وبإرادة سياسية حقيقية في الإصلاح ، وبدعم شعبي غير مسبوق لأن المصريين وجدوا أخيرا من يحقق حلمهم في بلد قوى.
المشروعات القومية أصبحت هي السيناريو الأمثل للبناء، من قناة السويس الجديدة التي كانت بمثابة إشارة البدء للجمهورية الجديدة مروراً بالطرق والمدن الجديدة ، والمشروعات الصناعية العملاقة، ظهرت العاصمة الجديدة والعلمين، 24 مدينة من مدن الجيل الجديد ظهرت شبكة طرق غير مسبوقة تمتد بطول البلاد وعرضها لتفتح شرايين التنمية وتبسط الأرض للتعمير، ظهر الإسكان الاجتماعي الذي يحقق حلم الوحدة السكنية لكل من يريد وبالسعر المناسب، ظهرت المدن البديلة للعشوائيات مثل الأسمرات وروضة السيدة وبشائر الخير وأهالينا التي أنقذت مئات الآلاف من الأسر من السكن في المناطق الخطرة، ظهرت المبادرات الصحية الكبرى التي أنقذت المصريين من أخطر الأمراض التي كانت تنهش الأجساد، من مبادرة مكافحة فيروس سي، التي عالجت أكثر من 3 ملايين مصرى، ومبادرة القضاء على قوائم الانتظار التي أنهت معاناة نحو 3 ملايين مواطن كانوا ينتظرون دورهم في العلاج، ومبادرات مكافحة السرطان وحماية أطفالنا من خطر السمنة والأنيميا.
ثم جاء إطلاق مشروع العمر، التأمين الصحى الشامل، الذي يوفر العلاج لكل المصريين بكفاءة ومستوى راق وبأقل تكلفة، جاء المشروع القومى العظيم لزيادة الرقعة الزراعية، نحو 4 ملايين هدان تضاف إلى مساحة مصر الزراعية من قلب الصحراء التي كانت جرداء وتحولت إلى أرض خير ونماء، من توشكى الخير إلى شرق العوينات، وصولاً إلى المشروع الحلم، الدلتا الجديدة بمساحة تتجاوز 22 مليون فدان.
هذه المشروعات الزراعية لم تكن مجرد أرقام تسجل بل تغيير جوهري في التعامل مع منظومة الاكتفاء الذاتي ومحاولة تحقيقه في بعض السلع الزراعية الإستراتيجية وزيادة الإنتاج من البعض الآخر، فإذا كان تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل مستحيلاً في دولة بالعالم، لكن الاكتفاء الجزئي هو الفلسفة الأنجح وهو ما حققته مصر بنجاح، بفضل المشروعات الزراعية والإنتاجية المستمرة.
وعندما نتابع فلسفة العمران أيضاً سنجد أمامنا لوحة كبيرة مكتوباً عليها، حياة كريمة، فلم يكن ممكنا أن يقتصر العمران على المدن أو يمتد للصحراء فقط، دون النظر إلى الريف المصرى الذي ظلم كثيراً رغم كونه الأكثر سكاناً، نحو 60 مليون مواطن، والأكثر قدرة على المساهمة في التنمية المجتمعية.
وهذا المشروع غير المسبوق عالمياً والأكبر في تاريخ مصر يقدم نموذجاً عصرياً في التنمية البشرية وتطوير المناطق المهمشة واستثمار القدرات والنتيجة كانت واضحة في كافة القرى التي وصل إليها المشروع وحالة الرضاء التي يعيشها أهلها، لأنهم وجدوا ما كانوا يعتقدون استحالة وصوله إلى قراهم وعزبهم ونجوعهم.
كان نصيب الإنتاج كبيرا في فلسفة العمران، اهتمام وتركيز على الصناعة باعتبارها وسيلة التنمية وزيادة الاعتماد على المنتج المحلى وخلق فرص عمل، كما كان التركيز على قطاع الطاقة لأنه المستقبل، والقادر على تحقيق النقلة الحقيقية في مستوى التنمية، فلا تنمية بدون طاقة، ولذلك كانت الإستراتيجية الناجحة التي حولت العجز الكبير والذي كان يصل لنحوة آلاف ميجاوات إلى وفر ضخم يزيد على 25 ألف ميجاوات، وذلك عبر مشروعات عملاقة من محطات سيمنس واقتحام مجال الطاقة الجديدة والمتجددة بقوة، ثم الطاقة النووية من خلال محطة الضبعة التي تقترب من العمل نهاية 2027.
كل هذه المشروعات ليست أكثر من نماذج قليلة من كثير تحقق على مدى 12 عاما من العمل لم تكن المشروعات والخطط تتم بمبدأ تسجيل الإنجاز وإنما وفق فلسفة أساسها تحقيق غاية العمران القائم على ثلاثية واضحة. الأولى اتساع مساحة المعمور المصرى من 6 بالمائة وصولا إلى 24 بالمائة من مساحة مصر على الأقل.
والثانية تحقيق تنمية يحصد المواطن ثمارها من خلال توفير فرص عمل حقيقية تواجه البطالة الكبيرة، وبالفعل انخفضت إلى رقم تاريخي غير مسبوق وتقترب من 6 بالمائة فقط، وكذلك توفير الاحتياجات الأساسية للمواطن بوفرة سواء من سلع أو أدوية أو منتجات مختلفة، وقد تحقق هذا بشهادة الجميع وفي أصعب الظروف التي تعاني خلالها دول كبرى من نقص في السلع أم يعاني المواطن المصرى نقصا في سلمة واحدة.
الثالث بناء اقتصاد قوى صلب قادر على تحمل الصدمات والأزمات ورغم صعوبة ذلك إلا أن الدولة نجحت في تحقيقه وكانت الأزمات العالمية والإقليمية التي مرت بنا، من كورونا إلى الحرب الروسية – الأوكرانية والحرب على غزة ومخططات التهجير للفلسطينيين ثم الحرب الأمريكية – الإسرائيلية، ضد إيران هذه الأزمات على صعوبتها كشفت قوة ومرونة الاقتصاد المصرى وقدرته على امتصاص هذه الأزمات وتداعياتها ، وهذا ما شهدت به المؤسسات الدولية.
وهنا لا يمكن أن نغفل فكرة الأمن، فلا تنمية بدون استقرار، ولا استقرار دون أمن، وأحد أهم ما كانت تعانى منه مصر قبل 30 يونيو 2013 هو انعدام الأمن والأمان، ولذلك كانت الخطوة الأهم لتحقيق الأمن تسير في اتجاهين الأول إعادة تحديث وتطوير قدرات القوات المسلحة بإمكانات عصرية تزيد الكفاءة القتالية وقدرات الردع مما وضع الجيش المصرى كأحد أقوى جيوش العالم، وأصبح رقما صعبا في المعادلة الإقليمية، وبفضل تطوير قدرات الجيش كانت قدرة الدولة على إقامة أضخم المشروعات على الأرض المصرية وفي مياهها الإقليمية دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منها أو تهديدها كما لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الحدود المصرية أو تهديدها، وقد كانت هناك نقاط فارقة أعطت رسالة بأهمية ما حدث للجيش المصرى، ومنها مخطط التهجير القسرى للفلسطينيين فلولا الجيش المصرى لكان من السهل على إسرائيل أن تنفذ مخططها الخبيث.
أيضاً الإرهاب الذي تم زرعه في سيناء بهدف زعزعة الأمن والسيطرة على هذه البقعة من أرض مصر تمهيداً لفصلها وإعلانها ولاية إسلامية تمهيدا لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد، لكن الجيش المصرى كان قادراً على قطع دابر الإرهاب وفرض سطوة وسيطرة الدولة على سيناء بل وفتحأبواب تنميتها بمشروعات غير مسبوقة عمرانية وزراعية وصناعية.
ومن الأمور التي كانت معبرة عن قوة الجيش المصرى محاولات البعض تهديد الأمن القومي المصرى عبر ليبيا أو الجنوب فكان الإعلان من الرئيس السيسي عن الخط الأحمر المصرى الذي لا يجوز تخطيه، وكانت النتيجة التزام الجميع به وعدم الاقتراب منه خشية الاحتكاك مع الجيش المصرى.
هذا الجيش وقدراته الحديثة القوية أصبح مصدر ثقة وأمان للمواطن الذي يدرك في دولة قوية لا يجرؤ أحد على تهديدها أو الاقتراب منها.
كما أصبح الجيش القوى أحد أهم أسباب التنمية الاقتصادية لأنه يعطي رسالة أمان لكل مستثمر يريد العمل بمصر أو كل سائح يريد المجيء إلى مدن مصر الأمنة.
المسار الثاني كان تطوير قدرات الشرطة المدنية وتمكينها من كل إمكانات تساعدها في بسط الأمن الداخلي ومكافحة الجريمة وتحقيق الأمان والاستقرار، والأهم تغيير فلسفة تعامل الشرطة وإعادة هيكلة العلاقة بينها وبين المواطن، لتصبح علاقة قائمة على تطبيق القانون وتحقيق الأمن فقط، استعادت الشرطة قواها والأهم استعادت ثقة المواطن، وقدمت نموذجا في الأداء الوطني من أجل حماية أمن الوطن وهذا كان أيضاً أحد أسباب التنمية.
وهنا يأتي السؤال.. هل كان ما سبق وغيره من خطوات البناء الكثيرة ممكنا إذا لم تكن هناك إرادة سياسية؟
والإجابة بالتأكيد لم تكن التنمية ممكنة إلا لوجود رئيس يؤمن بعقيدة وطنية ولديه رؤية تنموية ويعرف جيدا قيمة وأهمية العمران رئيس لا يبحث عن المنصب وإنما يبحث عن الإنجاز والبناء وأن تسترد الدولة مكانتها وتأثيرها وقوتها.
الرئيس عبد الفتاح السيسي هو الذي قاد عملية التنمية بعبقرية، قامت على عدد من المبادئ:
- أولها: أن التنمية لا يمكن أن تؤجل أو تتأخر، ولذلك ورغم خطر الإرهاب الذي كان صعبا وكان يتطلب تسخير كل الإمكانات المواجهته لكن الرئيس رفض أن يقول لا صوت يعلو على صوت الحرب على الإرهاب، وقرر أن يخوض الحرب على الإرهاب وفي الوقت نفسه معركة البناء دون تردد ، بل إن سيناء نفسها أرض الحرب على الإرهاب كانت تشهد في نفس الوقت خطوات و مشروعات تنمية وبناء.
- ثانيها: الثقة في القدرات المصرية، فالرئيس راهن على المصريين وأنهم قادرون على إنجاز الصعب وإبهار العالم، وقد كان وكسب الرئيس الرهان وكل ما تحقق من مشروعات عملاقة وبعضها دخل موسوعة الأرقام القياسية بأياد مصرية واللافت أنه في كل مشروع كانت ثلاثية الرئيس التي لا يتنازل عنها، أفضل جودة في أسرع وقت بأقل تكلفة، لأن مصر لا تتحمل التأخير ولا تكلفة عالية.
- ثالثها: أن الرئيس راهن أيضاً على ثقة المصريين وأنهم سيساندون الإصلاح على صموبته ، ورغم أن الجميع كانوا يتخوفون من عدم تحمل المصريين لكن الرئيس كان على خلاف الجميع يعلم في كل مرة أن تقته لا تنتهى في المصريين، وللمرة الثانية كسب الرئيس الرهان على الشعب الذي لم يتخل عنه ولم يقبل أو يستجيب الدعوات التحريض الإخوانية ولا محاولات الفتنة وواصل الدعم للرئيس في البناء والإصلاحالاقتصادي المر لأنه أدرك أن الرئيس يعمل بمنطق وطني من أجل المستقبل.
- رابعها: أن الرئيس تعامل مع الإصلاح والبناء بمراحل وبعقلية هادئة، كانت البداية بيد الدولة القوية القادرة على الإنجاز المطلوب في وقت كان القطاع الخاص متخوفاً ولا يستطيع المغامرة بالدخول والمشاركة، وعندما اكتملت هذه المرحلة واستقرت الدولة وأصبحت الأرض ممهدة لدور أكبر للقطاع الخاص كانت وثيقة ملكية مصر التي وضعت ولأول مرة الإطار الشامل للحدود بين دور الدولة ودور القطاع الخاص.
إننا في الخلاصة أمام تجربة حقيقية للبناء، تقوم على فلسفة العمران حققها الرئيس السيسي بإيمان كامل بالقدرات المصرية وثقة غير محدودة في المصريين وما زال الطريق مستمرًا من أجل استكمال البناء الذي يقوده الرئيس ويعلن أن المواطن هو بطله الأول.










