أكد الدكتور محمد عطية مرتضى، أستاذ الروماتيزم وأمراض المفاصل والمناعة واستشاري أمراض العظام والمفاصل والعمود الفقري بكلية الطب جامعة الزقازيق، أن العلاج بالتردد الحراري بات مؤخرًا سؤالًا متكررًا بين مرضى خشونة الفقرات، سواء العنقية أو القطنية.
وأوضح د. مرتضى أن أحدث ما توصلت إليه الدراسات في هذا المجال يتلخص في كيفية إدراج التردد الحراري ضمن بروتوكول علاج خشونة الفقرات، ومدى استفادة المريض منه، وحجم النتائج المتوقعة، فضلًا عن آثاره الجانبية المحتملة.
ما خشونة الفقرات؟ وما الفارق بينها وبين الانزلاق الغضروفي؟
أشار د. مرتضى إلى أن خشونة الفقرات (سواء القطنية أو العنقية) هي عبارة عن تآكل يصيب مكونات الفقرة كافة، من أربطة ومفاصل وغضاريف. وعندما تتآكل الغضاريف وتتهتك، فإنها تنزلق من مكانها الطبيعي.
وأضاف: “في مشهد يومي متكرر، يأتينا المريض وهو يعاني من آلام أسفل الظهر أو الرقبة، حاملاً مظاريف كبيرة لأشعة الرنين المغناطيسي، ويخبرنا بأسى شديد أن لديه أربعة غضاريف منزلقة في الفقرات القطنية وثلاثة أخرى في الفقرات العنقية! ليفاجأ في النهاية بحقيقة أن هذه الانزلاقات المتعددة ليست سوى صورة عادية وطبيعية لخشونة الفقرات، وأنها قد لا تكون السبب الأساسي في الألم الذي يشعر به”.
وفي الحقيقة، فإن وجود انزلاقات متعددة في الغضاريف يعد علامة دالة على الخشونة أكثر من أي سبب آخر؛ بينما يشير انزلاق غضروف واحد فقط في الأغلب إلى عوامل ميكانيكية، مثل حمل أشياء ثقيلة بطريقة خاطئة.
وأكد د. مرتضى أن العامل الحاسم في التشخيص هو مدى تأثر الأعصاب المحيطة بالغضاريف المنزلقة، وبناءً على هذه النقطة الجوهرية يتم وضع الخطة العلاجية للمريض.
«العلامات الحمراء».. متى يصبح التدخل الجراحي حتميًا؟
أوضح د. مرتضى ضرورة عرج الطبيب سريعًا على الخطط العلاجية التقليدية قبل التطرق للتردد الحراري. فقبل بدء العلاج، يجب استبعاد ما يُسمى “العلامات الحمراء” الخطيرة، وأهمها:
- تأثر العضلات وضعفها (مثل سقوط القدم الناتج عن ضغط جذور الأعصاب).
- وجود علامات انضغاط النخاع الشوكي (مثل انحباس البول أو عدم التحكم في البول والبراز).
- وجود مؤشرات تدل على هشاشة العظام، أو الأورام، أو دلالات عدوى وخراج بالفقرات.
وشدد على أن ظهور أي من هذه العلامات يتطلب تدخلًا جراحيًا فوريًا ومباشرًا منذ البداية.
التدرج في العلاج التحفظي
بعد استبعاد “العلامات الحمراء”، يأتي دور العلاج التحفظي الذي يتدرج كالآتي:
- الاحتياطات البدنية: مثل تجنب حمل الأوزان الثقيلة، والالتزام بتمارين علاجية محددة.
- العلاج الدوائي: عبر مضادات الالتهاب وأدوية الأعصاب المختلفة، ويستمر ذلك لمدة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر، بالتزامن مع العلاج الطبيعي بكافة أنواعه.
- مرحلة الحقن: إذا لم يحدث تحسن، يبدأ الطبيب بحقن الكورتيزون في المفصل الحرقفي أو المفاصل الصغيرة للعمود الفقري، ثم الحقن داخل الأغشية المبطنة للنخاع الشوكي، يليه حقن جذور الأعصاب بالكورتيزون ومضادات الآلام.
- التردد الحراري: وهو الخطوة الأخيرة في منظومة العلاج التحفظي والتي تسبق الجراحة مباشرة.
وفي حال فشل كل ما سبق، واستمرار الألم الذي يعوق المريض عن ممارسة أنشطته اليومية بعد فترة لا تقل عن 6 أشهر من المحاولات المستمرة، لا يتبقى أمامنا سوى اللجوء للجراحة كآخر المطاف.
ما التردد الحراري وكيف يعمل؟
يتم العلاج بالتردد الحراري من خلال إيصال إبرة دقيقة ومخصصة إلى جذور الأعصاب المتسببة في الألم. تقوم هذه الإبرة بخلق مجال مغناطيسي ينتج عنه تردد حراري يرفع درجة الحرارة للحد الذي يسمح بـ”كي” العصب المقصود؛ ونتيجة لذلك، يتوقف إرسال إشارات الألم من هذا العصب إلى المخ فلا يشعر المريض به.
هل التردد الحراري علاج ناجح؟
أكد د. مرتضى أن نجاح هذه التقنية يعتمد كليًا على الاختيار الدقيق للمريض وتوظيف الوسيلة العلاجية بشكل صحيح. فلا يجوز إطلاقًا اللجوء للتردد الحراري كبديل للجراحة في الحالات المستعصية (مثل سقوط القدم)، كما لا ينبغي استخدامه لمريض لم يستنفد وسائل العلاج التحفظي الأخرى (وخاصة العلاج الطبيعي).
ونصح بعدم التسرع؛ ففي غياب العلامات الحمراء الخطيرة، يكون الوقت في مصلحة المريض مهما بلغت شدة الألم، ولذلك يُفضل عدم اللجوء للتردد الحراري إلا بعد مرور 6 أشهر على الأقل من بدء الشكوى. وإذا جرى الالتزام بهذه المعايير، فإن معظم المرضى يشعرون بتحسن ملموس ونسب رضا عالية للغاية.
هل نتائجه دائمة أم مؤقتة؟
عادة ما يستمر التحسن الناتج عن التردد الحراري لفترة طويلة تتراوح بين 6 أشهر إلى سنة، وقد تمتد في بعض الأحيان إلى سنوات، ويُنصح المريض بالالتزام بالتمارين العلاجية والاحتياطات اليومية لضمان استمرار النتائج.
ومع ذلك، يجب معرفة أنه علاج مؤقت؛ لأن الجسم يعيد بناء وإحياء جذور الأعصاب التي أتلفها الكي بمرور الوقت، ولذا يجب أن يكون التردد الحراري جزءًا من برنامج تأهيلي متكامل وليس علاجًا منفردًا بذاته.
الآثار الجانبية ومستلزمات الأمان
اختتم د. محمد عطية مرتضى حديثه بالإشارة إلى أنه لا يوجد علاج يخلو تمامًا من الآثار الجانبية. وبما أن إبرة التردد الحراري تصل إلى موضع دقيق وحساس للغاية بجوار الأعصاب والنخاع الشوكي، فإن احتمالات العدوى أو النزيف تظل قائمة وإن كانت بنسب ضئيلة جدًا. بناءً على ذلك، يجب إجراء هذه التقنية داخل مستشفى مجهز بالكامل ومستعد لكل الاحتمالات، مع اتخاذ كافة سبل الحماية والتعقيم الفائق لضمان سلامة المريض.









