هناك أماكن تذهب إليها وأنت تحمل عنها صورة ذهنية رسمها الآخرون، ثم تعود منها بصورة مختلفة تمامًا، لأن الواقع يكون أكثر إشراقًا مما كنت تتخيل. هذا بالضبط ما حدث لى خلال زيارتى لمحافظة سوهاج. ذهبت للمشاركة فى مؤتمر عن الاستثمار فى التعليم، لكننى عدت محملًا بقناعة راسخة بأن الصعيد يعيش مرحلة غير مسبوقة من التنمية.
تشرفت بتلبية الدعوة الكريمة من اللواء الدكتور مصطفى الأدور لحضور مؤتمر الاستثمار فى التعليم، وسط حضور متميز من عمداء المعاهد العليا، وقيادات أكاديمية وتنفيذية، وزارة الشباب والرياضة، وعدد من مؤسسات المجتمع المدنى، إلى جانب نخبة رائعة من شباب وطلاب محافظة سوهاج.
وما أسعدنى بحق، ليس فقط حسن التنظيم أو قيمة المؤتمر العلمية، وإنما ما وجدته من مستوى راقٍ لدى الشباب والطلاب. شباب يمتلك الوعى والثقافة والطموح، ويتحدث عن المستقبل بلغة العلم والعمل، وهو ما يؤكد أن الاستثمار الحقيقى يبدأ بالإنسان، وأن بناء العقول هو أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أى دولة.
وخلال الأيام التى قضيتها فى سوهاج، رأيت مشروعات على أرض الواقع، ووجدت حالة من الاستقرار والتنمية، ولمست حجم التطوير الذى تشهده المحافظة فى مختلف القطاعات.
ولا يمكن الحديث عن هذه النهضة دون الإشارة إلى اهتمام الدولة، بقيادة السيدالرئيس عبدالفتاح السيسى، بتنمية صعيد مصر، بعد سنوات طويلة عانى خلالها من ضعف الاستثمارات. واليوم أصبح الصعيد يحظى بمشروعات قومية ضخمة، وشبكات طرق حديثة، وفرص استثمارية واعدة، وخدمات تعليمية وصحية.
كما لمست خلال الزيارة الدور الكبير الذى يقوم به محافظ سوهاج اللواء طارق راشد، من خلال حرصه على التواجد بين المواطنين، والتواصل المستمر مع أبناء المحافظة، والمتابعة الميدانية للمشروعات، والعمل بروح الفريق مع جميع الأجهزة التنفيذية. فالتنمية لا تتحقق بالقرارات من المكاتب، وإنما بالنزول إلى الشارع، والاستماع إلى المواطنين، ومتابعة التنفيذ على أرض الواقع، وهو ما انعكس بوضوح على حالة الرضا التى لمستها لدى كثير من أبناء سوهاج.
ومن المشاهد التى توقفت أمامها كثيرًا، نموذج رجل الأعمال الوطنى الأستاذ ماهر شنودة، الذى اتخذ قرارًا يستحق كل التقدير، عندما اختار أن يستثمر فى محافظته، وأن يضخ أمواله فى إنشاء أكبر فندق سياحى فى صعيد مصر داخل سوهاج. فهذا المشروع ليس مجرد استثمار اقتصادي، وإنما رسالة وطنية تقول إن أبناء المحافظات هم الأقدر على المساهمة فى نهضتها، وإن الانتماء الحقيقى يُترجم إلى أفعال ومشروعات توفر فرص العمل، وتدعم الاقتصاد المحلي، وتضع المحافظة على خريطة السياحة والاستثمار.
كم نحن فى حاجة إلى أن تتكرر هذه النماذج فى جميع محافظات مصر، وأن يقتدى رجال الأعمال بهذا الفكر الوطني، فيوجهوا جزءًا من استثماراتهم إلى محافظاتهم، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من الداخل، ولأن كل محافظة تستحق أن يستثمر أبناؤها فيها قبل أن يبحثوا عن فرص فى أماكن أخري.
ومن هنا، أوجه دعوة صادقة إلى الوزراء، والمسؤولين، وأعضاء مجلسى النواب والشيوخ، والشخصيات العامة، والصحفيين، والإعلاميين، بزيارة محافظات الصعيد، والاطلاع على حجم الإنجازات التى تتحقق يومًا بعد يوم. فمن الظلم أن تظل هذه المشروعات بعيدة عن الأضواء، ومن الواجب أن ينقل الاعلام الصورة الحقيقية لما يحدث على أرض الواقع، لأن التنمية تحتاج أيضًا إلى من يروى قصتها.
لقد رأيت فى سوهاج نماذج وطنية مشرفة، ومسئولين يعملون بإخلاص، وشبابًا يصنعون الأمل، ورجال أعمال يؤمنون بأن نجاح محافظاتهم هو جزء من نجاح مصر كلها. ولذلك أقول بكل ثقة: إن سوهاج ليست فقط محافظة تشهد التنمية، بل أصبحت نموذجًا لما يمكن أن تحققه الإرادة السياسية، والعمل التنفيذي، والانتماء الوطني، عندما تجتمع جميعها من أجل هدف واحد… بناء مصر الحديثة.









