املك من الدنيا ما شئت، وافعل ما شئت، وأحبب من شئت، فإنك مفارق ذلك لا محالة، ستخرج منها عاريًا حافيًا كيوم دخلتها. لن تأخذ معك «جنيهًا واحدًا» مما كسبت. فلا ملكية حقيقية في هذه الحياة. ثروات الدنيا كلها ومباهجها مجرد «حق انتفاع» مؤقت ومحدد بفترة حياتك على الأرض.
عصفت بذهني خواطر كثيرة لدى مرافقتي للزميل العزيز عادل عبد الحميد، نائب رئيس تحرير الجمهورية، في رحلة علاجه الأخيرة، التي انتهت بوفاته صباح الخميس 25 يونيو 2026. حياة كاملة بطولها وعرضها، وأعمال صحفية جمعتنا في رحلة امتدت لنحو ربع قرن، وذكريات دارت أمام ناظري ونحن ننهي إجراءات خروج الجثمان من مستشفى قصر العيني الفرنساوي، ونرافقه إلى مسجد «السيدة نفيسة»، حتى ووري الثرى بمقابر «الوفاء والأمل» بمدينة نصر. كان عادل عبد الحميد واحدًا من رواد «العصر الذهبي» للصحافة المصرية، وأحد أبناء جيل مرحلة «السبعينيات» التي شهدت فيها كل الصحف المصرية ـ بلا استثناء ـ انطلاقتها الكبرى اعتبارًا من عام 1974 حين رفع الرئيس أنور السادات الرقابة عن الصحافة، ووصلت إلى أرقام تلامس «المليون نسخة».
بدأ عادل عبد الحميد حياته الصحفية بالعمل بجريدة «الأحرار»، وقد شهدت مصر في تلك المرحلة معركة شرسة طرفاها: الشيخ محمد متولي الشعراوي وزير الأوقاف (1976 – 1978)، ومحمد توفيق عويضة السكرتير العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ في ذلك الوقت ـ على خلفية ما تردد حول وجود تجاوزات مالية وإدارية للأخير. لم تكن معركة «الشعراوي» سهلة، وكان «عويضة» يدير المجلس بصلاحيات واسعة وبشكل مستقل تمامًا عن الوزارة، بل إنه امتنع عن الرد على مكاتبات الوزارة. كان الوضع غريبًا وشاذًا، وعجز كثير من وزراء الأوقاف السابقين عن مواجهته لما تردد عن علاقة «عويضة» القوية بالسادات، وانتقلت المعركة إلى مجلس الشعب. في خضم هذه المعركة لجأ الشيخ الشعراوي للقضاء، كما استخدم الصحافة كسلاح فاعل ومؤثر في المواجهة، وقام بتسريب الكثير من المستندات التي تكشف فساد «عويضة» ومنحها للزميل عادل عبد الحميد، ضمن مجموعة اختارها من الصحفيين، كدرع استخدمه الشيخ بفاعلية في المواجهة، وأحدث ردود فعل قوية ومؤثرة.
لقد روى لي الزميل عادل عبد الحميد ما حدث بالتفصيل، وكيف كان الشعراوي سعيدًا بما نشره، حيث استقبله بعدها، وشكره ودعا له. كان عادل عبد الحميد صحفيًا صاحب «خبطات صحفية»، وهو الصحفي الوحيد الذي ذكره الكاتب الصحفي صلاح قبضايا في كتابه «صحفي ضد الحكومة» الصادر سنة 1980 مستشهدًا بتحقيقاته ضد الفساد. ثم انتقل الزميل الكبير لجريدة «الجمهورية»، وعمل بالقسم الخارجي، وكان واحدًا من «أسطوات» المهنة، وكان أستاذًا في كتابة فن «التقرير الإخباري»، وإنجاز العمل في وقت قياسي.
ذكريات كثيرة، تؤكد أن العمر مجرد لحظة عابرة من الزمن، وأن حياة الإنسان ليست إلا بخارًا يظهر قليلًا ثم يضمحل. رحم الله الزميل الغالي وأسكنه فسيح جناته. ولا حول ولا قوة إلا بالله.










