مع انتهاء الأسبوع الأول من اختبارات المواد الغير مضافة للمجموع في امتحانات للثانوية العامة 2026، نجد أنفسنا أمام معركتين؛ الأولى يخوضها الطلاب داخل اللجان بتركيزهم وجهدهم، والثانية تخوضها وزارة التربية والتعليم خارج اللجان، وتحديدًا على شاشات الهواتف الذكية وفي دهاليز غرف “التليجرام” ومنصات التواصل الاجتماعي التي تحاول فرض روايتها على الرأي العام.
لم تعد الأزمة تكمن فقط في ضبط حالة غش هنا أو تصوير ورقة هناك؛ ففي منظومة تعليمية ضخمة تضم أكثر من 921 ألف طالب وطالبة يوزعون على 2023 لجنة، تُعد التجاوزات الفردية أمرًا متوقعًا في أي نظام عالمي. لكن الأزمة الحقيقية باتت تنحصر في “صناعة الرواية الأولى”، ومن يسبق إلى تشكيل الوعي العام وصياغة الصورة الذهنية للامتحانات لدى المجتمع بكل قطاعاته.
وحين تلتزم غرف العمليات الرسمية ببيانات مقتضبة تتكرر نسب التشابه بينها لتصل إلى 90%، وتكتفي بالتأكيد التقليدي على “انتظام اللجان”، فإنها تترك خلفها فراغًا اتصاليًا مرعبًا.
وفي عالم الإعلام الجديد، “الفراغ” هو الخطيئة الكبرى؛ لأن هناك دائمًا من يتحين الفرصة لملئه. هنا تحديدًا يتدخل قراصنة “التليجرام” وصفحات الغش السرية ليروا المشهد من منظورهم، ناشرين صورًا لأسئلة يزعمون خروجه من اللجان، ومحولين الحالات الفردية إلى “ظاهرة مبرمجة”، مستغلين قلق العائلات ولهفة الشارع.
إن مواجهة هذه المنصات لا تكون بالصمت، فالصمت لم يعد رفاهية تمتلكها المؤسسات. ووفقًا لتقرير الأخبار الرقمية الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي هي المصدر الأول للأخبار عالميًا، بينما يعبر 62% من الجمهور عن قلقهم البالغ من انتشار المعلومات المضللة. ومن ثم، فإن مواجهة الشائعات تتطلب الحضور السريع والشفاف لاستعادة زمام المبادرة.
إن الهزيمة النفسية لصفحات الغش تبدأ عندما تسبقها الوزارة بالإعلان الفوري والشفاف عن التجاوزات؛ فضبط معلم صوّر ورقة في الوادي الجديد، أو رصد طالب استخدم سماعة إلكترونية بقنا، وقائع لا تنقص من نجاح المنظومة الضخمة، بل تؤكد يقظة وزارة التعليم وجديتها في تطبيق القانون وتحقيق الردع المجتمعي.
هذا الجهد الميداني الهائل لتأمين اللجان يستحق أن ترويه الوزارة بنفسها وبأعلى صوت، لا أن تتركه لصفحات مجهولة تديره من وراء الستار.
إن وزارة التربية والتعليم تخوض اليوم اختبارًا لا يقل أهمية عن الامتحان نفسه؛ وهو اختبار “إدارة الثقة”. فالشفافية لا تنتقص من النجاح بل تعززه، والثقة لا تُبنى بالصمت، وإنما بمن يسبق دائمًا إلى رواية الحقيقة.









