نَكَأت حادثة مأساة حدائق الأهرام التى راحت ضحيتها شابة مكافحة كانت تبحث عن رزقها فى تقديم المشروبات الساخنة للمارة فدهستها سيارة طائشة تقودها طفلة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها جرحاً غائراً سُكِت عنه طويلاً فى جسد المجتمع ينخر فى العمق ليكشف عن حقيقة مرة هى أننا فقدنا بوصلة التعليم والتربية معاً منذ أن أهملنا «صناعة الأخلاق» التى هى عماد الأمم وصمام أمانها ومصداقاً لما قاله أمير الشعراء أحمد شوقى ناعياً مجتمعات تهاوت قِيمها:
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ … فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا
صَلاحُ أَمْرِكَ لِلْأَخْلاقِ مَرْجِعُهُ … فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالأَخْلاقِ تَسْتَقِيمِ
وَإِذَا أُصِيبَ القَوْمُ فِى أَخْلَاقِهِمْ … فَأَقِمْ عَلَيْهِم مَأْتَمًا وَعَوِيلاَ
إن المجتمع يعانى منذ عقود من تشوهات هيكلية أصابت الأجيال فى جلب اللغات والأنظمة الدولية، بينما أسقطت من حساباتها الملف الأهم على الإطلاق وهو «بناء الإنسان» فتحول الطلاب فى مدراسنا إلى مجرد أجهزة حاسوبية شُحِنت بالمعادلات واللوغاريتمات وجُفِّفت عقولهم وقلوبهم من المبادئ والأخلاقيات.
تلك الطفلة التى أزهقت برعونة روحاً بريئة ثم ترجلت من سيارتها متماسكة باردة المشاعر لم يحركها وازع من ضمير أو إنسانية بل سارعت تستنجد بذويها الذين أنفقوا الغالى والنفيس لتهيئة ظروف جعلها طبيبة أو مهندسة مستقبلاً لكنهم ضلوا طريق تقويمها وبنائها نفسياً هى نتاج طبيعى لهذا الخلل ، وهذه الفتاة لا تختلف كثيراً عن أقرانها الذين نراهم يوثقون بالصوت والصورة عمليات تخريبهم المتعمد للفصول الدراسية والمدرجات الجامعية متباهين بها عبر منصات التواصل الاجتماعى فى ظاهرة سلوكية عصية على علماء النفس والاجتماع أن يقدموا لها تفسيرًا منطقيا.
وليس بعيداً عن أعيننا ما يقدمه اليابانيون للعالم من نموذج مبهر يدمج العلم بالأخلاق فى متلازمة حضارية اسمها «التجربة اليابانية» هذا الإبهار هو ثمرة نظام تربوى أصيل جعل من الأخلاق والسلوك القويم قاعدة أساسية تنطلق منها النهضة العلمية منذ الطفولة المبكرة وما نشهده من سلوكيات حضارية هناك كوقوف الكبار والصغار فى الشوارع بكل احترام لإشارات المرور وحرص الجماهير فى الملاعب على عدم مغادرة مدرجاتهم إلا بعد تنظيفها يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن بناء الإنسان أخلاقياً وسلوكياً قبل حشوه علمياً هو السبيل الحقيقى لرقى الأمم ونهضتها.
إن هذا النظام التعليمى المشوه فى مدارسنا وجامعاتنا، الذى يلهث وراء استيراد القوالب العلمية واللغات الأجنبية من الشرق والغرب وفى الوقت ذاته يتجاهل القيم الأخلاقية ويتقاعس عن ترسيخها من واقع ديننا وعاداتنا لن ينتج سوى آلاف المسوخ البشرية ومرتكبى الكوارث.. فإذا كان لا بد لنا من استيراد النماذج فالأولى بنا اليوم أن نستورد «النموذج التربوى اليابانى» لنعيد صياغة أجيال تقدس الروح البشرية وتحترم الإنسانية لعلها تضمن مستقبلاً آمناً للجميع.









