أطلقت وحدة التحقق والمصادقة البيئية بهيئة الطاقة الذرية، وبالشراكة الإعلامية مع منصة “المستقبل الأخضر”، أولى فعالياتها تحت عنوان “الحوار الأخضر 2026”. يأتي هذا الحدث في إطار الاحتفال باليوم العالمي للبيئة، وبمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين، وكوكبة من الإعلاميين وصناع المحتوى، وسط حضور علمي مميز ونقاشات ثرية حول مستقبل الاستدامة، طرحت رؤى جديدة لمواجهة تحديات المناخ وبناء مستقبل أكثر توازناً، مع تسليط الضوء على دور التكنولوجيا النووية السلمية في دعم الحلول البيئية.
رؤية شاملة للحياد الكربوني والاستدامة
قدم الدكتور صلاح الحجار، الأستاذ المتفرغ في الطاقة والتنمية المستدامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، رؤية شاملة وعميقة حول مفهوم الاستدامة، مستعرضاً تطوره التاريخي، ووضعه على الساحة العالمية، والتحديات التي تواجه الدول في تحقيقه.
كما ألقى الضوء على واقع الاستدامة في مصر والجهود المبذولة لتعزيزها، مؤكداً أن التحول نحو مستقبل مستدام لم يعد خياراً بل ضرورة حتمية. وتناول د. الحجار خطة “الاستدامة والابتكار” (Sustainability & Innovation) التي ترتكز على الوصول إلى الحياد الكربوني (Net Zero) من خلال تبني سياسات ذكية وممارسات تدعم التنمية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.
وأكد د. الحجار أن نجاح منظومة الاستدامة يتطلب إطاراً قانونياً متكاملاً، وإدارة فعالة قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، مشدداً على الدور المحوري للبحث العلمي والابتكار؛ حيث يمثل ربط مخرجات البحث بالصناعة مفتاحاً حقيقياً لزيادة الصادرات، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وتحقيق الاستقرار المالي.
رؤية مصر 2050 ودور التطبيقات السلمية للطاقة الذرية
في واحدة من أبرز جلسات الحوار، أدارت الدكتورة كاميليا حامد حجاج (الأستاذ المساعد بهيدرولوجيا النظائر البيئية بقسم المواقع والبيئة بمركز بحوث الأمان النووي والإشعاعي، ومدير إدارة الكفاءات بوحدة التحقق والمصادقة البيئية) لقاءً حوارياً مع المهندسة ليديا عليوة، المدير العام للإدارة العامة لتكنولوجيا وبحوث تغير المناخ بوزارة البيئة، للكشف عن ملامح رؤية طموحة نحو “مصر 2050”.
استعرضت الجلسة الاستراتيجية الوطنية للدولة التي تستهدف بناء اقتصاد مستدام قائم على التوازن بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على البيئة. وأشارت م. ليديا إلى أنه في ظل عالم تتسارع فيه تحديات المناخ والموارد، لم يعد البحث عن حلول تقليدية كافياً، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى تقنيات علمية متقدمة قادرة على إحداث تأثير حقيقي في مجالات الطاقة والمياه والغذاء والبيئة، وهنا تبرز التطبيقات السلمية للطاقة الذرية كأحد المسارات العلمية الداعمة لهذا التحول.
وأوضحت أن هذه الرؤية ترتكز على محاور حيوية، منها:
- دعم البحث العلمي والابتكار ونشر الوعي المجتمعي.
- بناء القدرات ونقل المعرفة وتطوير منظومة التمويل المستدام.
- تفعيل آليات التنفيذ عبر سياسات واضحة ومؤشرات دقيقة لقياس التقدم.
محور الجلسة: الاستدامة مسؤولية مشتركة، ونجاحها يبدأ من شراكات قوية بين الحكومة، والقطاع الخاص، والبحث العلمي، والمجتمع المدني، مع الاستفادة من فرص التمويل التي يتيحها “صندوق المناخ الأخضر” (GCF) لدعم الأبحاث وتحويلها إلى مشروعات ذات أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
التحقق البيئي: ضرورة اقتصادية وقومية
من جانبها، أوضحت الدكتورة ياسمين أحمد، المدير التنفيذي لوحدة التحقق والمصادقة البيئية بهيئة الطاقة الذرية المصرية، أن التحقق البيئي يعد أحد أهم أعمدة الاستدامة التي يُغفل عنها البعض رغم محورية دورها.
وأكدت د. ياسمين أن التحقق ليس مجرد إجراء روتيني، بل ضرورة اقتصادية قومية؛ إذ لا يعني الإفصاح فقط بل يشمل المراجعة والتدقيق لتكون البيانات معتمدة وقابلة للاستخدام دولياً. ودعت المتخصصين إلى ضرورة البحث والتدقيق وتعلّم إعداد التقارير ببيانات دقيقة، منوهة بأن الهيئة ستعلن عن دورات تدريبية متخصصة في هذا المجال قريباً.
التكنولوجيا النووية والإشعاعية.. شريك استراتيجي في العمل المناخي
شهدت الفعالية حواراً ثرياً شارك فيه الدكتور عمرو الحاج، أستاذ الكيمياء الإشعاعية بالمركز القومي لبحوث وتكنولوجيا الإشعاع، وأدارته الدكتورة ولاء عادل الصباغ، الأستاذ المساعد للأدوية والسموم ومدقق البصمة الكربونية بوحدة التحقق والمصادقة البيئية بالهيئة.
جاء اللقاء تحت عنوان “التكنولوجيا النووية والإشعاعية.. شريك استراتيجي في العمل المناخي”، وسلط الضوء على:
- دور التقنيات النووية في دعم مسارات الاستدامة.
- تطبيقات التقنية النووية في تعزيز الأمن المائي والغذائي.
- إسهام التقنيات الإشعاعية في مواجهة التغير المناخي وتحويلها إلى أدوات عملية.
وكشف د. عمرو خلال الحوار عن كيفية قيادة العلم لمعركة الاستدامة؛ بدءاً من مواجهة تلوث المياه وتأثير المواد البلاستيكية والبوليمرية في الأنهار والمحيطات، وصولاً إلى الثورة الإشعاعية في الزراعة لإنتاج سلالات محسنة من القمح والعدس ذات إنتاجية أعلى وقدرة أكبر على تحمل التحديات البيئية. كما تناولت الجلسة جهود تقليل الملوثات الغازية (مثل أكاسيد الكبريت SOx وأكاسيد النيتروجين NOx)، واستراتيجيات إعادة تأهيل التربة الزراعية عبر الإدارة الذكية للكيماويات.
ابتكار مصري لتنقية الهواء ومواجهة التغيرات المناخية
في جلسة أخرى أدارتها الدكتورة رابعة محمد كامل (مسؤول المراجعة الداخلية ومدقق البصمة الكربونية بالوحدة)، أكدت الدكتورة إلهام فاروق، أستاذ تكنولوجيا التحكم في ملوثات الهواء بمعهد بحوث البيئة والتغيرات المناخية، أن التغير المناخي لم يعد مجرد تقلبات طبيعية، بل هو تحول طويل الأمد يتسم بسرعة غير مسبوقة مدفوعاً بالنشاط البشري، مما يجعله تحدياً يمس الموارد المائية، والأمن الغذائي، والصحة العامة، والاقتصاد.
وأوضحت د. إلهام أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين تلوث الهواء والتغير المناخي؛ حيث تسهم تقنيات الحد من الانبعاثات وتحسين كفاءة الطاقة في تحقيق فائدة مزدوجة (تحسين جودة الهواء والحد من الاحتباس الحراري).
واستعرضت الجلسة تجربة بحثية رائدة تمثلت في تطوير أول جهاز مصري لتنقية الهواء باستخدام نبات “ورد النيل”، وحاصل على براءة اختراع معتمدة من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا. وتطرقت الجلسة إلى الأثر الصحي والنفسي لموجات الحر الشديدة ومخاطر الإجهاد الحراري، مؤكدة على أهمية التكيف عبر نظم الإنذار المبكر، وتحسين إدارة المياه، وزيادة المساحات الخضراء.
الإعلام البيئي.. من نقل الأخبار إلى صناعة الوعي
وعن دور الإعلام البيئي بوصفه نقطة البداية الحقيقية للتحول الأخضر، قدم الكاتب الصحفي شعبان هدية، مؤسس ورئيس تحرير منصة “المستقبل الأخضر”، رؤية حول كيفية إشراك المواطن في هذا التحول.
وأكد “هدية” أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل شريك في صناعة الوعي ومحرك للتغيير. ومن هذا المنطلق، نجحت منصة “المستقبل الأخضر” منذ انطلاقها في جعل قضايا البيئة والمناخ والطاقة النظيفة جزءاً من الحوار اليومي للمجتمع، وتبسيط المعرفة العلمية لربطها بحياة الناس اليومية، لتصبح المنصة خلال سنوات قليلة من أبرز المنصات المتخصصة في مصر والمنطقة العربية. وأشار إلى أن المشروعات والسياسات البيئية الكبرى والابتكارات الشبابية تحتاج دائماً إلى إعلام قوي يمنحها الصوت والتأثير والقبول المجتمعي.
الأمن الغذائي ومعادلة المناخ الصعبة
كما شهدت الفعالية حواراً أداره الدكتور ذكي ذكي مع الدكتور بلال علي عبد الحميد، كشف عن إحدى أخطر المعادلات التي تواجه العالم اليوم: الاستدامة والأمن الغذائي في ظل التغير المناخي.
وأوضح د. بلال أنه لا يوجد أمن غذائي دون فهم عميق لتأثير المناخ على الزراعة؛ حيث تؤثر الحرارة المرتفعة مباشرة في عملية البناء الضوئي للنباتات:
- نباتات C3 (مثل القمح والأرز): تنخفض إنتاجيتها تحت ظروف الإجهاد الحراري بسبب زيادة “التنفس الضوئي” وتنافس الأكسجين مع ثاني أكسيد الكربون داخل النبات، مما يؤدي إلى نمو أبطأ ومحصول أقل.
- نباتات C4 (مثل الذرة وقصب السكر): رغم امتلاكها كفاءة أعلى في تثبيت الكربون وقدرة أفضل على التكيف مع الحرارة، إلا أنها تظل معرضة لنقص إنتاجية الحبوب نتيجة فشل التلقيح والإخصاب تحت الظروف المناخية القاسية.
وشددت الجلسة على حتمية تطوير أصناف زراعية أكثر تحملاً للحرارة عبر ربط البحث العلمي بالتطبيقات العملية لحماية مستقبل الغذاء.
ختام الفعالية وتكريم الفائزين بمسابقة «رسالة من الأرض»
واختتمت الفعالية فعالياتها بإعلان الجوائز العشر لمسابقة «اليوم الأخضر» والتي حملت عنوان «رسالة من الأرض»، وشهدت منافسة بين 38 عملاً متميزاً.
جرى تكريم الفائزين بالإضافة إلى استعراض الأعمال المهداة من عدة جهات وصناع محتوى. كما شهد الحفل تكريماً خاصاً للطالب علي محمد عبد الله، الذي مُنح لقب “سفير المستقبل الأخضر” باعتباره أصغر مشارك في المسابقة، وصاحب لقب “المخترع الصغير”، والفائز بجائزة مسابقة اليوم الوطني للبيئة لهذا العام.
















