من المؤكد أننا جميعاً نولد ونحن نحمل صفات وجينات اكتسبناها من أبائنا وأمهاتنا، وهذا أمر طبيعى يجعلنا قريبين فى الملامح والطباع من أحدهما أو كلاهما، ومن هنا يبدأ المجتمع والناس من حولنا فى تصنيفنا، إما أن يقال عن الشخص إنه «ابن أمه» لشدة قربه منها، أو يقال عنه إنه «تربى على طبلية أبوه» دلالة على الأصالة والالتزام بنهج والده.
لكن الأمر معى كان مختلفاً ومميزاً، فقد كنت أشبه والدى كثيراً فى صفاته وطباعه الشخصية، ولكن ذلك لم يظهر بشكل واضح، لأنى منذ صغرى كانت والدتى هى الظهر والسند الحقيقى لى وترعرعت ونشأت فى جلبابها أمام الجميع، ولهذا السبب، كان الناس يروننى دائماً «ابن أمى» وهذا شرف وفخر لى، غير مدركين تلك الصفات القوية التى تربطنى بأبى.
وأتذكر أيام الثانوية العامة، عندما كانت الطموحات والخطط كثيرة ومختلفة حول المستقبل، والحيرة شديدة بين اختيار القسم العلمى أو الأدبى، دارت فى ذلك الوقت، حوارات ونقاشات عديدة بين أبى وأمى لرسم طريقى بما يناسب قدراتى، ومازلت أذكر جملة والدتى عندما قالت «ندخل محمد علمى علشان يبقى دكتور فى الجامعة زى باباه»، لكن فى النهاية، استقر الرأى على القسم الأدبى، لأن والدى رغم أنه كان يتمنى ذلك، لم يكن يريدنى أن أكرر تجربته فى السفر الصعب والتنقل للعمل فى المحافظات، لأنى كنت ابنه الوحيد، والحمد لله، أكرمنى الله والتحقت بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية.
وتحت بند الحب والدعم النفسى والمعنوى الذى لا ينتهى، تكرر نفس الموقف ونفس الحديث بين الاثنين بعد التخرج، فى محاولة لدعمى فى مشوار حياتى المهنية ومستقبلى وطرق مساعدتهم لى، وشاءت الأقدار بعد ذلك أن أعمل فى مهنة «صاحبة الجلالة»، وهى نفس مهنة والدتى الكاتبة الصحفية، وفى الجريدة نفسها، وهنا أصبحت «ابن أمى» علناً وأمام أعين الجميع وخاصة فى مكان العمل، ورغم أنه أمر يشرفنى جداً إلا أنه كان يربكنى لأنى كنت أريد أن أصنع لنفسى كيانا خاصا بى.
واليوم، بفضل الله وتوفيقه، ثم بفضل دعم أسرتى، أصبحت «أبن أبى وأمى» أمام الجميع، بحصولى على درجة الماجستير من إحدى الجامعات الحكومية، وحققت حلم والدى الغالى فى خوض الطريق إلى لقب «الدكتور»، وهو رمز العلم والتقدير فى مجتمعنا، ومنذ هذه اللحظة، بات لى شخصية مستقلة تجمع بين الفخر بمهنة والدتى الصحفية، والاعتزاز بلقب والدى الأكاديمى.









