فى تاريخ الصراع بين الأمم.. كان الخوف يُصنع برؤية الدبابات تجوب الشوارع، أما اليوم فقد تغيرت جغرافيا الحرب، وانتقلت ساحات المعركة من الأرض إلى «الفضاء الرقمى»، ومن السلاح التقليدى إلى «الخوارزمية» الذكية، لم يعد الخوف مجرد رد فعل عاطفى عابر، بل تحول إلى «منظومة مستدامة»، تُدار بغرف عمليات إلكترونية، وتُغذى ببيانات ضخمة، وتهدف فى نهايتها إلى استعمار العقل البشرى قبل الأرض.
كان الوعد الكبير للإنترنت فى بداياته أنه فضاء للتبادل الإنسانى، ونافذة للتواصل، ومنصة للتعبير عن التنوع الثقافى والحضارى، لكن قراءة الواقع الراهن تكشف عن تحول خطير، فقد أصبح هذا الفضاء أداة لـ «الاستعمار الرقمى»، حيث يُستحوذ على الخصوصية طوعًا، وتُصنع القناعات قسرًا، فلم يعد الهدف هو الإقناع بالحجة، بل التحكم بالبيانات، وتحويل تغذية الخوف إلى «نسق عالمى» يعاد تدويره يوميًا عبر وسائل الإعلام الرقمى وصناعة المحتوى الموجه.
إنها حرب تُدار عبر خوارزميات تحدد ما نراه، وما نسمعه، وما يخفق له قلبك من رعب، لم يعد المجال الرقمى ملاذًا آمنًا، بل أصبح ساحة لصراع الوجود، لقد انتقلنا من مرحلة «صناعة الخوف عبر السرديات المفبركة» إلى مرحلة أكثر خطورة وهى «تغذية الخوف عبر تضخيم أجزاء مبتورة من الحقيقة»، فالبرنامج النووى الإيرانى مثلاً، لا يُعرض كملف تقنى خاضع للرقابة الدولية، بل يُصور كـ «تهديد وجودى» للسلم العالمى، ومقاومة الاحتلال لا تُقيم فى سياقها التاريخى والوطنى، بل تُصنف آليًا تحت بند «الإرهاب»، لتبرير أى عدوان عليها، وحتى فى الملفات الإنسانية كالأوبئة، نرى نفس الآلية تعمل.. يُقدم الوباء كـ «قدر محتوم»، أو كسلاح بيولوجى غامض، دون مراجعة جادة لإخفاقات الأنظمة الصحية، أو لآليات الاستجابة للأزمات، والهدف واحد: إبقاء الجمهور فى حالة تأهب دائم، وقبول للوصاية الخارجية، واعتبار أن «الخوف» هو الحالة الطبيعية للإنسان فى هذا العصر.
هنا تكمن الإشكالية الكبرى التى تواجه العالم اليوم، إننا أمام نموذج لـ «هيمنة بلا استعمار» تقليدى؛ فالقوى المهيمنة لا تحتاج إلى جنود يحتلون الأرض، بل تحتاج إلى عقول تقبل بالهيمنة طوعًا، وقد فرضت هذه المنظومة «نموذجًا بشريًا واحدًا»، خاضعًا لتصور اختزالى للخوف، حيث يصبح الموت ليس قدرًا إنسانيًا طبيعيًا، بل «تحديًا تقنيًا» يجب تجاوزه، أو «سلاحًا» يُستخدم للترهيب.
هذه الرؤية لا تنتجها إلا حضارة مادية أقصت نفسها عن القيم الإنسانية المشتركة، وتعتقد أن البقاء للأقوى تقنيًا، لا للأعدل أخلاقيًا، إن تحويل التوتر الداخلى للمجتمعات إلى رفض للذكاء الاصطناعى، بينما هو نفسه يصوغ الشروط الحضارية الجديدة، هو مفارقة كبرى تعكس حالة الارتباك التى يعيشها الإنسان المعاصر.
والذكاء الاصطناعى الذى كان من المفترض أن يكون أداة لتحرير العقل، أصبح فى بعض تطبيقاته أداة لتقييده، حيث يصوغ شروطًا حضارية لا تقتصر على ثقافة الهيمنة أو الاستهلاك السريع، بل تمتد إلى تعريف «الأمن» و»الخطر» و«العدو».
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد سيطرته على عقله فى ظل هذه المنظومة الكاشفة؟ الإجابة لا تكمن فى رفض التكنولوجيا، بل فى «فك شفراتها»، فالوعى بخطورة «صناعة الخوف» هو الخطوة الأولى نحو التحرر منها.. ومن يملك القدرة على التمييز بين «الحقيقة المبتورة» و»الواقع الكامل»، هو من يملك مفتاح الحرية فى هذا العصر.









