أيام قليلة ولكنها تكفى لمعرفة الكثير عما يريده المصريين من فرحة وبهجة وشعور باللقاءات الجماعية بكل ما فيها من اهتمام وتفاعل ومقدرة على استعادة زمن جميل، هذا ما حدث فى مصر من خلال حدثين، الأول هو كرة القدم فى أفضل تجلياتها كلعبة شعبية أولى وثانية وعاشرة حين تصبح حديث العالم بفوز فريقنا القومى بثلاثة أهداف على فريق نيوزيلندا فى حدث دولى كبير، أما الحدث الثانى فهو مصرى أصيل، ولكنه أصبح عالميا بقدرة مبدعيه على جذب المصريين إليه وهو مهرجان الطبول الدولى والفنون التراثية، والذى تحول إلى مهرجان عالمى بامتياز بجهد مبدعيه وأولهم رئيسه ومؤسسه الفنان الكبير انتصار عبدالفتاح.
الطبول من أجل السلام
اختار انتصار عبدالفتاح الطبول شعارًا للمهرجان باعتبارها أكثر أدوات عزف الفن الشعبى سهولة وجاذبية إيقاعية بالتالى قدرة على اجتذاب الجمهور ليبدأ المهرجان عام 2013 بحفلات لعزف الأغانى الشعبية التى صنعها فنانون لا يعرفهم الناس فى كل محافظات مصر، أما المكان الأول فهو شارع المعز بوسط القاهرة التاريخية، ولتحقق موسيقى الطبول وأغانى التراث وأناشيده نجاحًا كبيرًا يدعم الفكرة ويجتذب إليها فى السنوات التالية كل الفرق التى تقدم فنا جماعيا، فى مصر، وخارجها، ويصبح المهرجان مصدرا للاهتمام الجماهيرى الكبير مع اهتمام وزارة الثقافة المصرية التى دعمته بأماكن أخرى مثل دار الأوبرا المصرية فى الافتتاح والختام، والقلعة، وايضًا ممر بهلر الشهير فى وسط البلد بملامحه الجذابة وشاركت فى دعوة الفرق التراثية فى بلاد العالم لتقف أمام الجمهور المصرى المحب تشدو له بأغانى التراث العربى والأفريقى والآسيوى بإدراك قوى لوجودها أمام جمهور حضارة كبيرة وعريقة، وليتضاعف جمهور المهرجان عاما بعد عام، ويصل عدد المشاركة فيه فى دورته الثانية عشرة هذا العام إلى 170 دولة، وآلاف المتابعين والمحبين فى إطار حضور مجانى بلا تذاكر قد تمنع الأغلبية من المشاركة والاستمتاع بالفن القادم من دول العالم، ومن محافظات مصرية لها تراث يستحق المحبة والمتابعة، «وهو ما لفت الأنظار هذا العام لما قدمه فريق الفن الشعبى لمحافظة المنيا، ومحافظة الغربية»، ولعل هذا الاهتمام تمدد ايضا من خلال الإعلام عندنا من خلال الصحف، ونشرات الأخبار التى قدمت فقرات من عروض المهرجان أما برنامج «صباح الخير يا مصر» فقد قدم منذ أيام رسالة مهمة جداً عنه جمعت بين رؤية الجمهور، ورؤية أعضاء بعض الفرق الزائرة ومنها الفريق الفلسطينى للتراث الشعبي، بينما قدمت قناة أخرى رسالة مهمة عن الحضور الكبير للمهرجان عبر ممر بهلر، وذلك قبل حفل الختام الذى أقيم مساء أول أمس، الثلاثاء، بدار الأوبرا.. والمعنى من كل هذا هو أن هذا الجمهور يبحث عن الفنون ويذهب إليها حين لا تصل إليه عبر شاشاته المنزلية، ولكن، بشرط الحضور المجانى أو الملائم لقدراته المالية.. إن هذا الجمهور هو ما أعطى للمهرجان كل هذا التألق والنجاح والتجدد.
هل أصبحت كندا مصرية؟
أن يملأ المصريون ملعب «فانكوفر» بين مساء وصباح الأحد الماضى لدعم فريقهم فى مباراته ضمّن كأس العالم لكرة القدم فهو أمر قد يكون متوقعاً، ولكن ليس بهذه الدرجة؟ ولكنه ما حدث ورأيناه بأعيننا فى مصر، وعرفنا بعده أن كل المصريين المهاجرين وأبناءهم وأحفادهم فى كندا وأمريكا حضروا لدعم «فريقهم» واختلافات العمر بينهم كانت واضحة وجلية، ومن هنا لعب الفريق القومى المصرى أمام فريق نيوزيلندا فى هذه المدينة أمام جمهوره البعيد، فى مصر وكل مكان، وجمهور قريب فى الملعب، وليقدم لهذا الجمهور ملحمة الشوط الثانى التى استطاع فيها الفوز على فريق كل لاعبيه عمالقة الطول، لكن الدعم الكبير من المصريين فاق كل الطول والمقدرة فى الخارج، والداخل، فقد شهدت مصر أيضا دعما مختلفا للفريق القومى وللمباراة، ولأول مرة يقام فى العاصمة الإدارية الجديدة هذا الملعب العملاق، والشاشة الأكبر عالميا، ليذهب إليها محبو الكرة وعشاق البهجة الذين اختاروا «المونوريل» كوسيلة مواصلات جديدة، ولتتحول هذه الزيارة إلى هذا المكان الجديد أو «فان زون» لرحلة من المتعة التى جمعت بين المكان والزمان والكرة، وفى نفس التوقيت، قدمت لنا قنوات تليفزيونية أخرى برنامجا بعنوان «يوم ورا يوم» فى اليوم التالى للمباراة جمع بين مصريين واجانب فى منطقة اخري، جميلة وفيها شاشة وكل ما يلزم مشاهدة ممتعة للمباراة، لنرى ونسمع كلمات إعجاب ودهشة من كندية ومصرى حول ما تراه وما يعجبها فى المكان وجاهزيته وردود فعل المصريين.. فى النهاية يطرح علينا كل هذا أهمية المناسبات الفنية والوطنية وقيمتها فى تنمية الوعى عند الجميع، ودعم الانتماء للوطن، وإعادة اكتشاف تاريخه وفنونه وجغرافيته، وهو ما يجب أن نسعى إليه جميعا بفتح أبواب البهجة للجميع مع اختلاف قدراتهم. فالمحبة واحدة وإن اختلفت الظروف.









