تحتاج مفاوضات الستين يوماً التى بدأت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران فى سويسرا هذا الأسبوع، إلى مناخ جديد مختلف تماماً عن ذلك المناخ الذى أدى إلى الحرب بين البلدين، أو رافق وقف إطلاق النار والتهدئة بعدها، إذا أرادت الدولتان حقاً إنجاز اتفاق نهائى يضع حلولاً للقضايا الثنائية والإقليمية، يمكن البناء عليها لتطوير فصل جديد فى علاقاتهما الثنائية والتقدم نحو استقرار الأمن الإقليمى فى الشرق الأوسط.
ولعل أول ما تحتاجه هذه المفاوضات، هو توفر حسن النية بين الطرفين فى التعامل مع قضايا الحل النهائى.. وهذه مسئولية الطرفين فى المقام الأول قبل أن تكون مسئولية الوسطاء أو غيرهم.. على الولايات المتحدة وإيران أن تتخذا من إجراءات بناء الثقة ما يزيل جبال الشكوك السابقة بينهما.
وثانى ما يجب أن يتوافر لهذه المفاوضات، هو التخلى عن أسلوب الحوار تحت تهديد السلاح.. لقد جربت الولايات المتحدة هذا الأسلوب مع إيران مرتين وفشلت فى المرتين، سواء على مائدة المفاوضات أو عندما تركتها وذهبت إلى الحرب، فى تغيير الموقف الإيرانى.
المفاوضات هذه المرة مختلفة، فهى تبدأ فى وجود أربعة عشر بنداً متفقاً عليها بين الدولتين فى مذكرة تفاهم تم توقيعها رسمياً من الرئيس الأمريكى «ترامب»، والإيرانى «بزشكيان»، وهذه البنود تمثل التزامات متبادلة بين الطرفين، ويجب بالتالى أن تشكل ضابطاً لمسار وإيقاع المفاوضات، سواء فى إطارها الموضوعى، أو إيقاعها الزمنى، أو التزام كل طرف بما تعهد به تجاه الطرف الآخر.
ولا يمكن ـ فى كل الأحوال ـ أن تنجح أى مفاوضات دون أن تكون هناك حدود وضوابط لمناطق «السرية» و»العلنية» فيها، وما يجب أن يقال للرأى العام وما يجب أن يبقى وراء الأبواب المغلقة لغرفة التفاوض، وأن يكون التزام الطرفين بذلك صارماً ومتبادلاً لمصلحتهما المشتركة، خاصة فى وجود أطراف مثل إسرائيل تتربص بطرفيها، وهدفها إفشال أى مفاوضات أو مخرجات تتم بعيداً عنها ولا تحقق أهدافها.. وكانت أول من خرق مذكرة التفاهم فور توقيعها، بانتهاك بند وقف إطلاق النار من جانبها فى لبنان.
لقد أدى غياب الانضباط فى التصريحات الأمريكية فى الفترة السابقة، سواء من حيث الشكل أو المضمون أو التوقيت إلى تعقيدات لم يكن الموقف يحتملها أو يحتاج إليها، ومست بشدة هيبة الرئاسة الأمريكية باضطرار القيادة الإيرانية إلى الرد عليها وتفنيد عدم مصداقيتها وتكذيبها.
أعلم ويعلم العالم كله، من واقع التجربة أن أصعب ما يمكن التطلع إليه أو الوثوق بالالتزام به هو أن يتوقف الرئيس الأمريكى عن التغريد أو التصريح عشرات المرات يومياً حول هذه المفاوضات وما يتعلق بها، لكن يبقى هذا شرطاً ضرورياً لنجاحها.
وفى حال نجحت الدولتان فى توفير عناصر المناخ الجديد الذى تحتاجه هذه المفاوضات بإرادتهما الذاتية المشتركة وتحويله إلى التزام متبادل، يأتى بعد ذلك دور المنطقة، العربية والإسلامية فى دفع وتطوير هذه المفاوضات للوصول بها إلى أبعد نقطة يمكن أن تجلب السلام العادل والشامل والاستقرار الدائم للإقليم.
والقاعدة الأساسية الصلبة التى يجب أن ننطلق منها، أن الشرق الأوسط ملك خالص لدوله وشعوبه العربية والإسلامية بالدرجة الأولى، ومن بينها إيران، بينما يمثل للولايات المتحدة أحد أبعاد أمنها القومى كقوة عالمية عظمى.
وتفرض هذه القاعدة، إذا اتفقنا عليها، أن تتخلى دول الشرق الأوسط وشعوبه عن دور «المتفرج» أو «المتابع» فقط الذى عاشته، ومازالت، على مدار عقود طويلة، بينما قضاياها ومصائرها تُدار وتُقرر بأيدى وإرادات غيرها.
لبنان ـ سوريا ـ فلسطين، ليست قضايا إيرانية أو أمريكية أو إسرائيلية فحسب.. بل هى قبل كل شىء وبعد كل شيء ـ قضايا قومية، عربية وإسلامية، ولها بعد أممى، يتمثل فى قرارات صادرة من مجلس الأمن وبرعاية الدول الخمس دائمة العضوية به ومشاركة بقية أعضائه، قبل أن نكون بنداً فى مذكرة تفاهم إيرانية أمريكية أو اتفاقاً ثنائياً بين الدولتين على وقف إطلاق النار هنا أو هناك.
ولا يكفى لترجمة هذا الواقع أدوار الوساطة التى تقوم بها الدول الرئيسية فى المنطقة، سواء فرادى أو فى إطار بـ «الرباعية» التى تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان وتعتبر نواة لدور أكبر فى تشكيل خريطة المنطقة.
الوساطة مقدرة، و«الرباعية» أمل جديد لنظام أمن إقليمى مرتقب، لكن لا أحد فى هذا الزمان يُلزم نفسه أو مستعد للالتزام بشواغل غيره ما لم تكن له مصلحة أساسية فى ذلك.
إن الولايات المتحدة الأمريكية التى نطالبها مع إيران بمراعاة شواغل دولنا وشعوبنا، هى صاحبة مبادرة قرار وقف إطلاق النار فى غزة، والذى صدر من مجلس الأمن الدولى يحمل اسم الرئيس الأمريكى ترامب، وراعية تنفيذ قرار وقف إطلاق النار الدولى الصادر أيضاً من المجلس نفسه فى لبنان، بينما إسرائيل تواصل ـ وبأسلحة ودعم أمريكيين ـ باعتراف نائب الرئيس الأمريكى مؤخراً، انتهاك القرارين يومياً وإسقاط عشرات الشهداء هنا وهناك بل واقتطاع أجزاء من أراضى غزة والجنوب اللبنانى، فضلاً عن مناطق فى سوريا بحجة إقامة مناطق أمنية عازلة لحماية نفسها، سوف تتحول بمرور الوقت ـ إذا استمر السكوت عليها ـ إلى حدود جديدة للدولة الإسرائيلية، أو على الأقل «ورقة تفاوضية» لن تتنازل عنها إلا بمقابل.
هذه الظروف والأوضاع لا يجب النظر إليها من جانبنا على أنها عقبة.. بل هى فى الحقيقة «فرصة»، وفرصة قد لا تتكرر أو تُعوض فى المستقبل القريب لكى نأخذ مصيرنا بأيدينا ونقرر مستقبلنا بإرادتنا.









