المال الذى لا يصنع خيرًا للناس، يبقى أرقامًا فى دفاتر البنوك، أما المال الذى يداوى مريضًا، ويكفل يتيمًا، ويعلّم طفلاً، ويطعم جائعًا، فهو وحده الذى يتحول إلى نورٍ فى الدنيا، وذخرٍ لصاحبه يوم يقف بين يدى الله، مصداقًا لقول النبى صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الناسِ أنفعُهم للناس».
الثروة ليست نعمة تُقاس بكثرة ما يملكه الإنسان، وإنما بما يتركه من أثر فى حياة الناس. فالمال الذى يدور فى دائرة صاحبه وحده يظل رقمًا فى حساب مصرفي، أما المال الذى يمتد إلى الفقير والمريض واليتيم والطالب والعاجز عن العلاج، فهو الذى يتحول إلى رسالة، ويصنع مجتمعًا متماسكًا، ويحقق الأمن والاستقرار. ومن هنا جاءت الوظيفة الاجتماعية لرأس المال، لا باعتبارها تفضلاً من الغني، بل حقًا أوجبه الله فى أموال القادرين، فقال سبحانه: «وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»، وقال أيضًا: «وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِیَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ».
وإذا كان الإسلام قد جعل الزكاة ركنًا من أركانه، وحث على الصدقة والوقف وكفالة اليتيم وإغاثة الملهوف، فإن السؤال الذى يفرض نفسه اليوم هو: أين أثر هذه التعاليم فى حياة كثير من أصحاب المليارات والملايين؟ كم رجل أعمال، أو فنان، أو لاعب كرة، أو مذيع أو محام أو طبيب يتقاضى أجورًا وفيزيتا يعجز عنها غالبية الناس، ثم لا يعرف المجتمع له مشروعًا كبيرًا لبناء مستشفى، أو مدرسة، أو دار أيتام، أو صندوقًا لعلاج أو تعليم غير القادرين؟ وكم من أصحاب الثروات يحرصون على تعظيم أرباحهم، لكنهم يترددون فى أداء زكاة أموالهم أو المساهمة الجادة فى تخفيف معاناة الفقراء؟
لقد قال الحكماء كلمة تهز الضمير: «ما جاع فقير إلا ببخل غنى.» وهى ليست حديثًا نبويًا، لكنها تعبر عن حقيقة اجتماعية عميقة؛ فحين تتكدس الثروات فى أيدٍ قليلة ويغيب عنها الإحساس بالمسؤولية، تتسع هوة الفقر، ويختل ميزان العدالة، ويصبح المجتمع كله مهددًا بالاحتقان. ولذلك قال الله تعالي: «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ»، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مالٌ من صدقة».
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن كثيرًا من أثرياء الغرب يتبرعون بجزء كبير من ثرواتهم وهم أحياء، لإنشاء الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث ورعاية الفقراء، بينما أطلق آخرون مبادرات شجعت أصحاب المليارات على تخصيص أجزاء ضخمة من أموالهم لمؤسسات النفع العام. لم ينتظروا الموت حتى تُكتب الوصايا، بل أرادوا أن يشاهدوا بأعينهم أثر عطائهم فى حياة الناس.
وفى المقابل، ماذا نرى فى مجتمعاتنا؟ نسمع عن حفلات زفاف تُنفق فيها عشرات الملايين، وسهرات فى الفنادق الفاخرة، وسيارات فارهة تتجاوز قيمة الواحدة منها ميزانيات قرى بأكملها، وإعلانات تتباهى بقصور وفيلات وشقق بمئات الملايين، فى الوقت الذى تكافح فيه الطبقة الوسطى لتأمين احتياجاتها الأساسية، مع موجات التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للجنيه.
إن المشكلة ليست فى أن يكون الإنسان غنيًا، فالغنى نعمة إذا شُكر الله عليها، ولكن المشكلة أن يتحول المال إلى وسيلة للتفاخر بينما يئن المحتاجون من حولنا.
ثم ألا يذكر أصحاب الثروات فضل أوطانهم عليهم؟ ألا يتذكر بعض رجال الأعمال كيف تضاعفت ثرواتهم من تجارة الأراضى التى اشتروها يومًا بأثمان زهيدة، ثم باعوها بعد سنوات بمليارات الجنيهات بفضل ما وفرته الدولة من طرق ومرافق وخدمات؟ أليس للوطن نصيب فى هذه الثروات؟ وأليس من الوفاء أن يعود جزء منها إلى أبناء هذا الوطن الذين شاركوا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فى صناعة تلك النجاحات؟
ألا يتذكر كل صاحب مال أنه تربى فى خير هذا الوطن، وتعلم فى مدارسه وجامعاته، وشرب من مائه، وسار فى طرقه، وعاش فى أمنه واستقراره حتى فتح الله له أبواب الرزق؟ فإذا كان الإنسان لا ينسى فضل والديه ومعلميه، فكيف ينسى فضل وطن احتضنه صغيرًا، ومهّد له طريق النجاح كبيرًا؟ إن أقل الوفاء أن يبنى مدرسة، أو يجهز مستشفي، أو ينشئ وقفًا خيريًا، أو يكفل آلاف الأسر التى ضاقت بها سبل الحياة.
لقد سبق الإسلام كل النظريات الحديثة فى بناء مجتمع التكافل، فقال تعالى: «لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ»، وقال سبحانه: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ»، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: «الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله»، وقال أيضًا: «ما آمن بى من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به». فهل بعد هذه النصوص يبقى لأحد عذر فى التقاعس عن أداء رسالته الاجتماعية؟
إننا لا نطالب الأغنياء بالتخلى عن ثرواتهم، ولا بأن يتبرعوا بنصفها كما فعل بعض أثرياء الغرب، وإنما نرجو منهم أن يؤدوا ما افترضه الله عليهم من زكاة، وأن يدفعوا ما عليهم من ضرائب دون تحايل، وأن يخصصوا جزءًا من أرباحهم لبناء الإنسان قبل الحجر، وأن يدركوا أن الأمن الحقيقى لا تصنعه الأسوار العالية ولا الحراسات الخاصة، بل يصنعه مجتمع يشعر فيه الفقير أن له نصيبًا فى خير وطنه، وأن الأغنياء لم ينسوه.
ويبقى السؤال الذى ينبغى أن يطرق ضمير كل صاحب مال: أيهما أبقى… سيارة فارهة جديدة، أم مستشفى ينقذ آلاف المرضى؟ وأيهما أعظم أثرًا… قصر يُبهر العيون، أم مدرسة تفتح أبواب المستقبل لأبناء الفقراء؟ وأى إرث يريد الإنسان أن يتركه بعد رحيله؛ حسابًا مصرفيًا تتنازعه المواريث، أم صدقة جارية يبقى أجرها ما بقى الزمان؟
إن الرسالة الاجتماعية لرأس المال ليست شعارًا يُرفع، وإنما مسؤولية دينية ووطنية وأخلاقية. فإذا كان غير المسلمين قد أدركوا أن الثروة تكتمل بالعطاء، فإن أمة نزل فيها قول الله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا» أولى بأن تجعل من التكافل ثقافة، ومن العطاء منهجًا، ومن خدمة الإنسان أعظم استثمار، لأن المال يبقى فى الأرض، أما الخير وحده فهو الذى يصعد إلى السماء.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يقول النبى صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الناسِ أنفعُهم للناس»، فهى قاعدة حضارية قبل أن تكون موعظة دينية؛ إذ تقاس قيمة الإنسان فى ميزان السماء والأرض بمقدار ما يقدمه من نفع لعباد الله، لا بما يملكه من أموال أو عقارات أو أرصدة. ويؤكد القرآن هذا المعنى فى قوله تعالي: «وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا» «المزمل: 20»، وقوله سبحانه: «مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً» «البقرة: 245». وما أجمل ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقى:
وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
ومن أسمى الأخلاق أن يشعر الغنى بآلام الفقير، وأن يدرك صاحب الثروة أن قيمة ماله لا تُقاس بما يضيفه إلى رصيده، وإنما بما يضيفه إلى حياة الناس من أمل وعلم ودواء وكرامة. فخير الناس حقًا ليس أكثرهم جمعًا للمال، وإنما أكثرهم نفعًا للناس، وأبقى الناس أثرًا هو من يجعل من ثروته جسرًا يعبر عليه المحتاجون إلى حياة أكثر كرامة وعدلاً.









