تختلف مصادر السعادة ومسبباتها لدى الناس، وهذا مفهوم ومتفق عليه، فما يسعدك ليس شرطًا أن يكون سببًا فى إسعادي، والعكس صحيح. فالحصول على المال وتحقيق الثراء، أو الوصول إلى السلطة وتحقيق السطوة، أو إنجاز عمل علمى والحصول على تكريمات متنوعة، أو تحقيق شهرة ذائعة، وكذلك بناء أسرة ونجاح الأبناء وتفوقهم، وحب الناس، والشعور بأنك قريب من الله، أو النجاح فى خسارة الوزن واستمرارية ممارسة الرياضة، جميعها مسببات للسعادة، أو خطوط إنتاج لها، وصولاً إلى تمشية على الكورنيش وتناول الذرة المشوية والترمس والآيس كريم.
فما يسعد الناس بين أيديهم، بصرف النظر عن إمكاناتهم. وكمية السعادة – لو استطعنا قياسها – المولدة من مكسب مليار دولار عند «بيل جيتس» تختلف عن تحقيق الرقم نفسه عند «إيلون ماسك».. فالمليار دولار عندما يدخل البنك المركزى المصرى يفرح له أكثر من مائة مليون مصري، بينما دخل إلى حساب إيلون ماسك ما يعادل هذا الرقم بخمسة وسبعين ضعفًا، لكنه ربما لم ينتبه إليه أو يعره اهتمامًا، لأنه يمتلك أضعافه.
>>>
كنت، فيما مضي، أشعر بالسعادة بملابس العيد والعيدية وصلاة العيد وفوانيس رمضان، واستلام الكتب المدرسية، وأول يوم دراسة، وحصة الألعاب والفسحة، وتوزيع التغذية أثناء حصة الحساب. كنت أفرح وأنا أمسك بيد، أو بجلباب، أبى – رحمه الله – ونحن ذاهبان إلى صلاة التراويح، فأشعر بالأمن والطمأنينة.
كنت أفرح بالنجمة التى كان يرسمها لى الأستاذ عبدالعظيم فى كراسة النحو حين أقوم بإعراب الجملة قبل زملائي. وكنت أفرح ونحن مجتمعون على مائدة الطعام بعد صلاة الجمعة، والتليفزيون يذيع «ندوة للرأي» و«عالم الحيوان». وكنت أفرح حين يتم اختيارى ضمن فريق أوائل الطلبة، ويزداد فرحى عندما تفوز مدرستنا على مدرسة وادى النطرون أو دمنهور.
كنت أفرح حين يُكتب اسمى على خبر بسيط فى جريدة محلية مغمورة، وكانت فرحتى تصل عنان السماء وأنا أمسك بميكروفون الإذاعة المدرسية لأقرأ نشرة الأخبار، وعندما يأتى خبر الكرة وفوز الأهلى أو المنتخب، تنتابنى حالة فرح هستيرية تذهب بوقار الموقف قليلاً، قبل أن يلكمنى مشرف الطابور، الذى كان أهلاويًا متعصبًا أمام الطلبة، لكنه كان سعيدًا من قلبه بما أفعله.
>>>
كنت أتابع مباريات كرة القدم والدورى والكأس والدورة الصيفية والرمضانية ودورى الجامعات والشركات، وكل ما يتعلق بكرة القدم. كنت أتلمس سعادتى وأنا أتابع مباريات الأهلى والمنتخب، وعندما يُحرز هدف، أتصبب عرقًا من فرط إفراز هرمونات الفرحة والسعادة.
عندما ينتهى العام الدراسى وتظهر النتيجة، وأستلم الشهادة وأحرز الدرجات النهائية ويكون ترتيبى بين المتفوقين، كانت أمى – بعد وفاة والدى – تسمح لى بأن ألعب الكرة فى الشارع، فكانت سعادتى لا توصف؛ لأننى تحررت من قيود كلمة: «ذاكر».
عندما كنا نذهب إلى العمل فى الحقول خلال الإجازة الصيفية، كانت سعادتى تبلغ مداها كل يوم خميس، يوم «القبض». كانت الأجرة الأسبوعية سبعة جنيهات وسبعين قرشًا؛ تذهب السبعة جنيهات إلى الحصالة الصيفية التى أنفق منها خلال أيام الدراسة، ويبقى السبعون قرشًا للإنفاق الأسبوعي، يذهب معظمها إلى شراء الصحف اليومية والكتب القديمة.
>>>
ما كان يسعدنى بالأمس ويغرقنى فى حالة من الشغف الإنسانى الذى لا ينتهي، أتذكره اليوم فأبتسم وأسعد بتذكر كل تفاصيله. لكن مسببات الشغف والسعادة اختلفت، وباتت أمورًا أخرى تمامًا، لها طابع عام أكثر منه خاصًا وشخصيًا، ولذلك لا يستطيع المرء منا التحكم فيها.
فكيف لى أن أصنع حالة سلام فى المنطقة؟ وكيف لى أن أزيد معدلات النمو وأرقام الصادرات؟ وكيف لى أن أرى المجتمع راقيًا والدولة حديثة ومتقدمة مثل اليابان وكوريا وتركيا وفيتنام؟
يسعدنى أن أرى الناس سعداء، ولا أملك أن أجعلهم سعداء. لقد بات من الصعوبة بمكان أن أشعر بالسعادة فى هذه الاتجاهات التى لا أرى سواها فى هذه المرحلة من العمر. لكن، ورغم صعوبة هذا الطرح، تبقى كرة القدم، ويبقى فوز المنتخب أمرًا يجعلنى سعيدًا.. وسعيدًا جدًا.








