«وحتى أكون صريحة.. فإن واحدة من الأشياء التى أفخر بها إلى حد كبير أننى حافظت طوال خمسة أعوام على حكومة لم تضم ديان فحسب.. بل ضمت عددا من الذين يكرهونه ويستاءون منه جدا».. تعترف جولدا بأنها شكلت حكومة متناقضة لأقصى درجة فتلك من دروس السياسة التى تعلمتها على يد استاذها بن جوريون.. كانت تخشى من إتفاق سياسى داخل حكومتها قد يقف عائقا أمام طموحاتها السياسية.. فعملت على أصطفاف الأنداد معا وإن كانوا «مستاءين» من بعضهم البعض.. المرأة تجد فى التنافر سببا ـ وحيدا ـ لبقائها رئيسة للحكومة.. وليس هناك تنافر أبعد من عدم رضا أعضاء الحكومة عن وزير دفاعهم.. وكذلك داخل جيش الدفاع كانت جولدا تعتز بصداقتها مع ديفيد اليعازر رئيس الأركان .. وتعلن أنها تحبه أكثر من وزيره ـ موشيه ديان ـ ولم يكن فى رفضها لاستقالة وزير الدفاع اقتناعً به قدر ما هى رغبتها فى مشاركته لها هذه الهزيمة «هزيمة كيبور».
وتذهب جولدا نفسها بسبب الهزيمة للتنازل عن حلمها كبطلة قومية للدولة العبرية وتعترف: «ورغم أن الاستقالة كانت تراودني.. فقد وجدت أن الأفضل أن أبقى وقتا قليلا.. وكذلك ديان»..هى تجد من الصعب على نفسها التخلى عن رئاسة وزارة دولة الكيان.. فهى تخلف عظماء أمثال استاذها الذى منحها اسمها وكنيتها.. وربما تنتظر ـ قليلا ـ فقد يحاسب الشعب اليهودى وزير الدفاع وحده.. ويسقط بمفرده ككبش فداء لهزيمة الدولة العبرية أمام المصريين.. فالمرأة تقصد بمفردة «قليلا» أنها تنتظر نتيجة تقرير تحقيقات لجنة اجرانات.. لذا تعترف بالنسبة لقبولها استقالة أو إقالة ديان«وكذلك ديان».
تأبى جولدا إلا أن تقول عنه:«كان دائما الرجل الذى ينتزع أقوى استجابة من الجماهير».. وهى هنا قد تبدى بعض الغيرة السياسية من مكانة ديان عند الجماهير.. فلا تترك هذا الاعتراف ـ وحيدا ـ بل تقرنه بآخر يقلل من مكانة ديان.. فتعترف: «كانت له بالطبع أخطاؤه التى كانت كفضائله كبيرة»..فالمرأة لم تترك حسنة تذكرها فى غريمها ومنافسها لدى الجماهير إلا وقد تلبسه بثوب الخطايا.. والخطايا «الكبيرة»!.
ويبدو أن جولدا تعتزم سرد اعترافات مطولة حول ديان فى فصل «الهزيمة» وعن مفارقات تترك للقارئ أن يحدد ملامحها.. فتارة تقول عن قدرة ديان على دحرجة المشاكل ناحيتها:«لكننى منذ البداية كونت فكرة جيدة عن المشاكل التى قد أواجهها فى هذا الصدد»..فتذهب إلى ما قبل توليها رئاسة الحكومة:«كنت أعلم أنه عارض رئاستى للوزارة بعد وفاة أشكول»..وتارة توضح جولدا جانبا من شخصية ديان ـ يستحق الوقوف أمامه ـ فى سياق اعترافاتها:«رغم أنه لم يكن من السهل عليه أن يتعامل مع الناس.. وأنه كان معتادًا على التصرف بأسلوبه الخاص».
لكنها وبين إصداء اعترافاتها توضح تفهم ديان لمكانة ديفيد اليعازر لدى جولدا فتقول:«حتى فى الأمور العسكرية فإنه كان يحرص على أن يأتينى أولا وبرفقته رئيس الأركان»..وربما هذا دهاء من ديان لأنه يريد استعراض ديمقراطية اتخاذ القرار العسكري.. وبالتالى المشاركة أيضا فى مسئولية هذا القرار.. ويبدو أنه كان يعلم بقناعة جولدا بديفيد اليعازر.. لذا هو أراد أن يجعلهما مشتركين معه فى مسئولية القرار العسكري.. وهذا ما حدث لدى جولدا عندما أراد ديان الاستقالة عدة مرات فى أثناء حرب أكتوبر بعد تأكده ـ عسكريا ـ من هزيمة كيبور.. ولذا رفضت ـ أيضا ـ جولدا استقالته لذلك السبب «المشاركة فى المسئولية».
إلا إنها تعترف فى النهاية بأمر غاية فى الغرابة ـ انسانيا ـ ويتفق وشخصيتها السياسية.. فتقول: «وقد أصبحنا فى النهاية صديقين حميمين».. وعندما نقرأ «وقد» ثم «أصبحنا» وبعدهما «فى النهاية» فتلك مفردات ثلاثة دالة على صعوبة توقع الحال الذى آلت إليه علاقتهما.. وربما «فى النهاية» فى تلك المفردة نهاية الطريق وهو ذاته عنوان فصل اعترافاتها التالى لفصل «الهزيمة» وهو أيضا الفصل الختام لحياة جولدا السياسية والشخصية.. فربما جاءت الصداقة فى النهاية مع وحدة المصير الذى سار كلاهما ـ معا ـ ناحيته.. وهو طريق «الهزيمة» فقد يتوافق البعض عندما يشعرون ـ معا ـ بذات المشاعر ـ المذلة والمهينة ـ وتُفرض عليهما علاقة «الصداقة» فى العقاب.. واللوم من الشعب اليهودى.. ومن التاريخ.. أو ما يسمى بـ «وحدة الآلام» و«وتشابه المصير».
والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.









