حين يواجه الإنسان موقفا يحتاج إلى التأمل.. تتسارع إلى ذهنه ذكريات ومواقف عاصرها من أجل التذكرة والعبرة وربما اتخاذ القرار.. احتجت مؤخرا إلى مراجعة طبيب من أجل مشكلة صحية.. وكان لابد من الفحص والتحرى والاستعانة بصديق من أجل الوصول إلى من له الخبرة والدراية وحسن الخلق من الزملاء.. وهذه مشكلة كبيرة تواجهنا جميعا حين الحاجة إلى رعاية طبية.. أين نذهب ولمن نذهب؟ وبينما أنا افكر إلى أين.. تذكرت موقفا لا يفارق ذهنى منذ كنت طالباً فى السنة النهائية بطب عين شمس وطلبت منى والدتى رحمها الله أن أقوم بترتيب زيارة لها لاستشارة أحد الأساتذة من أطباء أمراض النساء فى مشكلة ألمت بها.. ورتبت لها الموعد مع استاذى الدكتور ضياء سيف الدين رحمه الله هو أيضا.
دخلنا عيادته المزدحمة.. دفعنا أتعاب الكشف التى لم تتجاوز جنيهات معدودة وقتها. عرفنى د.ضياء فور دخولي.. فرحب بى مبتسماً بشوشاً. تحدث مع أمى مطولاً.. سأل واستفسر بتركيز تام وكأنه يلقننى درساً عملياً فى فن التعامل مع المريض. بعد الكشف طمأنها أن الأمر بسيط.. وشرح لها سبب الألم.. وأكد أنه لا يحتاج إلى دواء ولم يكتب لها أى وصفة طبية لا وش ولا ظهر. المفاجأة أنه رافقنا بنفسه إلى باب العيادة.. وأمر الممرضة بإعادة قيمة الكشف.
لم أصدق ما حدث. أنا مجرد طالب طب.. وهذا الأستاذ الكبير يعاملنى بهذا الرقي. شعرت وقتها بحب جارف للطب.. وللأطباء.. ولمصر.. وللحياة كلها. قالت لى أمى يومها: «يارب أشوفك زى الأستاذ ده.. إنسان رائع. أنا خلاص خفيت».
ودارت الأيام.. تخصصت فى أمراض النساء.. وعملت نائباً للدكتور ضياء وتعلمت منه أكثر وأكثر.. وحرصت أن أتحلى بخلقه.. فهو علمنى الطب وعلمنى أيضا كيف أن أكون طبيبا.. تعلمت منه أن الطب هو مهنة تحتاج إلى العلم والخلق بعيداً عن كل أمور الدنيا.. وقد كان.. طوال ممارستى للمهنة فى عدة دول لم أتقاضى مليما واحدا من أى زميل أو زميلة لا فى الكشف ولا الولادة ولا الجراحة..
تذكرت كل هذا وقد احتجت إلى طبيب يعالجني.. وتكرر سؤالى إلى عدد من الزملاء.. «ماتعرفشى دكتور كويس وابن حلال؟».. وساعدنى احد الزملاء الأعزاء وقام بطلب الحجز لى لدى استاذ ذاع صيته.. وبعدها بيومين وصلتنى رسالة من سكرتيرة الطبيب المشهور.. تقول فيها بالنص: «برجاء الحجز واتس اب فقط.. الحجز باسم مين؟ ساكن فين؟ الكشف المستعجل 2500 جنيه والإستشارة 400 خلال شهر فقط من الكشف» نعم والله.. هذه الرسالة وصلتنى رداً على طلبى لحجز موعد.. رسالة من طبيب إلى زميل كان فى احتياج إلى استشارة لحالة مرضية ألمت به.. تصل بعد يومين وكل ما فيها هى ح تدفع كام؟ وكأنه حوار حول صفقة أو مصنعية..
الذى ازعجنى فى هذه الرسالة ليس قيمة الكشف نفسه.. والتى أعتقد أنها مبالغ فيها كثيراً.. وليس عدم مراعاة اللياقة وأصول التعامل مع الزملاء.. وليس الاهتمام الأوحد للأمور المادية.. ولكن ما ازعجنى بالفعل هى كلمة «الكشف المستعجل».. والتى اعتقدت انها اندثرت كما اندثرت قيمة الكشف الأغلى للمرضى العرب والتى هاجروا بسببها عيادات «باب اللوق ووسط البلد» بعيداً إلى قارة أخرى لا تتعامل مع المرضى حسب ما يلبسونه فوق رأسهم.. وفكرت ملياً فى توصيف «الكشف المستعجل».. المعنى الوحيد لها هو استغلال حاجة مريض لا يحتمل الانتظار من أجل العلاج .. أليس هذا هو تعريف «الربا» تماما؟ وهو أن يستغل فيها إنسان إلى حاجة إنسان آخر من أجل تحقيق مكسب مادي..
نعم.. الدنيا تغيرت.. والمادة طغت على المعاملات الإنسانية.. ولكن ممارسة الطب لا يجب أن تخضع لمثل هذه المعايير.. ولايجب أن تتمحور حول المعاملات المادية.. هذا ما تعلمته من أستاذى الدكتور ضياء وهذا هو ما يقسم عليه الأطباء.. أيام أن كان هناك قسم..









