تأتى الدورة المستأنفة الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية لتقدم مشهدا يتجاوز الترتيبات البروتوكولية المعتادة، إذ يحمل قرار التوافق العربي، المدعوم بزخم مصرى رسمي، على اختيار وزير الخارجية الأسبق نبيل فهمى أمينا عاماً للجامعة، دلالات بالغة الحساسية. إن هذا الاختيار لا ينفصل عن توقيته المفصلي، حيث يمر الإقليم بمرحلة تتقاطع فيها نيران الحروب المفتوحة مع مسارات تفاوضية بالغة التعقيد، تضع العمل العربى المشترك أمام اختبار وجودى يتطلب رؤية دبلوماسية من طراز رفيع.
يتزامن صعود فهمى إلى رأس الأمانة العامة مع مناخ إقليمى يتسم بسيولة شديدة، لعل أبرز ملامحه التفاهم «الأمريكي-الإيرانى» الأخير الذى ولد برعاية دولية وإقليمية. ورغم ما يحمله هذا الاتفاق من ترتيبات أولية لخفض التصعيد العسكري، ووقف إطلاق النار، وضمان حرية الملاحة فى مضيق هرمز، إلا أنه يظل، فى نظر المراقبين، تهدئة مؤقتة محفوفة بالمخاطر وليس تسوية نهائية. فالخلافات العميقة حول الملف النووى وآليات التنفيذ مازالت قائمة، مما يضع المنطقة فى حالة ترقب حذر، وسط بيئة لا تحتمل أى حسابات خاطئة.
وعلى امتداد الجغرافيا العربية، تتشابك التعقيدات لتفرض جدول أعمال مثقلا بالملفات الساخنة، فالمشهد اللبنانى يبقى رهينا للتوترات الحدودية المستعرة، فى حين تراوح الأزمة السورية مكانها بين استعصاء المسار السياسى ومعضلات إعادة الإعمار وعودة اللاجئين. وفى العمق الإفريقي، يعيش السودان مأساة إنسانية وأمنية متفاقمة جراء الصراع الداخلى المستمر، وسط ضغوط دولية عاجزة حتى الآن عن احتواء التداعيات.
هذا المشهد المأزوم يعكس بوضوح تداخل ملفات الأمن فى الشرق الأوسط بين القوى الإقليمية والدولية، مما يقلص هوامش المناورة أمام العواصم العربية.
هنا تحديدا تبرز الحاجة الملحة لإعادة تفعيل أدوات الجامعة العربية. لقد استمرت المنظومة العربية لعقود فى مربع «إدارة الأزمات» أو «التكيف مع الواقع»، وهى مقاربة أثبتت عجزها أمام التسارعات الراهنة. إن المرحلة المقبلة تفرض انتقالا حتميا ونوعيا نحو «صياغة مواقف جماعية استباقية».
لم تعد الجامعة تملك ترف الانتظار حتى تنضج التفاهمات الدولية لتبحث لنفسها عن مقعد هامشي، بل إن المطلوب هو توظيف ثقل القوى العربية الرئيسية لبناء جدار دبلوماسى موحد يتفاوض ككتلة واحدة فى مواجهة المشاريع الإقليمية الأخرى. إن الرهان الحقيقى اليوم لا يكمن فى قدرة الجامعة على إصدار بيانات التنديد، بل فى قدرتها على التحول إلى شريك فاعل فى صياغة النظام الإقليمى الجديد.
يمتلك نبيل فهمى إرثا دبلوماسيا عريقا وخبرة واسعة فى تفكيك التوازنات الدولية المعقدة، وهو ما يجعله مؤهلا لقيادة هذه الديناميكية الجديدة. لكن النجاح فى هذه المهمة لا يتوقف على شخص الأمين العام بقدر ما يرتبط بوجود إرادة سياسية عربية جامعة تعيد الروح لمؤسسات العمل المشترك.
إن اختيار الدبلوماسية المصرية على رأس الجامعة فى هذا التوقيت يجب أن يكون نقطة انطلاق لترجمة التوافق السياسى إلى استراتيجية أمنية وسياسية قادرة على حماية المصالح العربية العليا، وصياغة حلول تنبع من داخل الإقليم لا تفرض عليه من الخارج.









